الغذاء صحةٌ أو مرض (9 من 20): البقوليات… طعامٌ بسيطٌ بقيمةٍ عظيمة
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

من الظلم الشائع الاستهانة ببعض الأطعمة المألوفة، كأن قيمة الطعام تقاس بثمنه لا بنفعه. ومن هذه الأطعمة التي يستهين بها بعض الناس البقوليات: الفول، والعدس، واللوبيا، والحمص، والفاصوليا، والبسلة، وما شابهها من حبوبٍ يأكلها الناس مطبوخةً ومطحونةً ومخلوطةً بغيرها. فهي في نظر كثيرين طعامٌ شعبيٌّ مألوف، لكنها في ميزان التغذية من أذكى ما يمكن أن يدخل إلى المائدة؛ لأنها تجمع بين الشبع والقيمة، وبين البروتين النباتي والألياف والمعادن، وبين الرخص النسبي والنفع الواسع.
وليست البقوليات بديلًا كاملًا عن كل طعام، ولا ينبغي أن نحمّلها ما لا تحتمل، لكنها بابٌ عظيم من أبواب التوازن الغذائي، خصوصًا في المجتمعات التي يغلب فيها الخبز والدقيق والنشويات، أو التي يصعب على كثيرٍ من أهلها الإكثار من اللحوم والبيض والأسماك والألبان. فالفول والعدس واللوبيا ليست مجرد أطعمة تملأ البطن، بل تساعد على بناء وجبةٍ أعدل؛ لأنها تمنح شبعًا أطول من الخبز وحده، وتخفف من الاعتماد على النشويات الصافية والزيوت الكثيرة.
وفي السودان، يحتل الفول مكانًا كبيرًا في حياة الناس، حتى يكاد يكون وجبةً يوميةً لغالب الأسر والطلاب والعمال. وهذا في أصله أمرٌ حسن إذا أُحسن إعداد الفول وأُكل بقدرٍ وتوازن. فالفول يمكن أن يكون وجبةً قويةً نافعةً إذا قُدم بزيتٍ قليل، وليمون، وبصل، وطماطم، وخضرة، وكمية خبزٍ معتدلة. لكنه قد يتحول إلى وجبةٍ ثقيلةٍ إذا غرق في الزيت، وزاد ملحه، وأُكل معه خبزٌ كثير، ثم تبعه شايٌ شديد السكر وقلة حركة. فالخلل ليس في الفول، بل في ما نضيف إليه، وما نأكله معه.
والعدس كذلك من الأطعمة العظيمة التي تستحق أن يعود إليها الناس باحترام. فهو سهل الطبخ نسبيًا، مشبع، مناسب لكثير من البيوت، ويمكن أن يدخل في الشوربة، أو الملاح، أو الطعام المطبوخ، أو يُخلط مع الخضروات والحبوب. وقد يكون العدس في بعض البيوت أذكى من وجبةٍ غاليةٍ قليلة القيمة. لكنه يحتاج، مثل غيره، إلى إعدادٍ معتدل، فلا نغرقه في الزيت، ولا نجعله شديد الملح، ولا نجرده من الخضرة والبصل والبهارات الطبيعية التي ترفع قيمته وطعمه دون إفراط.
وقد قال تعالى في الامتنان بإنبات الحب والنبات: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 14-16]. وهذه الآيات تذكّر بأن الحبوب والنبات رزقٌ مرتبط بالماء والسماء والأرض، وأن ما نراه في الحقل أو السوق ليس شيئًا عاديًا خاليًا من الدلالة. والبقوليات من هذا العالم النباتي الذي أكرم الله به الإنسان، ومن شكرها أن لا نحتقرها لأنها رخيصة أو شعبية، ولا نفسدها بالإسراف في الزيت والملح، ولا نستبدلها دائمًا بما هو أغلى وأقل نفعًا.
ومن أعظم مزايا البقوليات أنها تساعد على الشبع الهادئ. فالذي يأكل خبزًا أبيض وحده، أو شايًا وسكرًا، أو وجبةً سريعةً خفيفة القيمة، قد يجوع سريعًا أو يطلب مزيدًا من الطعام. أما الوجبة التي يدخل فيها فول أو عدس أو لوبيا مع خضرةٍ وكمية نشوياتٍ معتدلة، فإنها غالبًا تكون أقدر على تثبيت الشبع. وهذا مهم لكل البيوت على اختلاف أحوالها؛ فالأسرة محدودة الدخل تحتاج إلى طعامٍ يشبع ويبني بأقل تكلفة، والأسرة الميسورة تحتاج إلى طعامٍ يحميها من الإفراط والوجبات المتكررة الفارغة.
ومن الخطأ أن ينظر بعض الناس إلى اللحوم وحدها بوصفها مصدر القوة. نعم، اللحوم والبيض والسمك واللبن لها قيمتها، وقد سبق بيان أن الطيبات الحيوانية محمودة مطلوبة بقدر ما تيسر ، لكن القوة لا تأتي من مصدرٍ واحدٍ فقط. والبروتين النباتي له مكانه، وخاصة حين يجتمع مع الحبوب في وجبةٍ متوازنة. فالكسرة أو الخبز مع فولٍ معتدل، أو العدس مع الحبوب، أو اللوبيا مع خضرةٍ ونشوياتٍ بقدر، تعطي وجبةً أفضل من طعامٍ نشويٍّ خالصٍ لا يحمل إلا الشبع السريع.
وفي السنة معنى جامع في حفظ النعمة وعدم احتقار الطعام. فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. وهذا الأدب النبوي عظيم في باب البقوليات؛ لأن بعض الناس يحتقر الطعام البسيط لمجرد أنه اعتاده أو لأنه رخيص. والبيت الذي يعلّم أبناءه احترام الفول والعدس واللوبيا، لا بوصفها طعامًا أقل شأنًا، بل بوصفها رزقًا نافعًا، يربيهم على شكر النعمة وعلى الفهم الصحيح لقيمة الغذاء.
ومن الناحية العملية، تحتاج البقوليات إلى إعدادٍ يراعي الهضم. فبعض الناس يشكون من الغازات أو الانتفاخ بعد الفول أو العدس أو اللوبيا، وهذا قد يحدث عند بعض الأجسام، خاصة إذا أُكلت بكثرة، أو لم تُنقع جيدًا، أو طُبخت بطريقة ثقيلة، أو أُكلت بسرعة. ويمكن تخفيف ذلك بالنقع المناسب لبعض الأنواع، والتخلص من ماء النقع عند الحاجة، والطهي الجيد، واستعمال الكمون (الشمار) أو بعض التوابل الطبيعية المناسبة، وتقليل الكمية في البداية، ومضغ الطعام جيدًا. ومن لا تناسبه بعض البقول فليختر ما يناسبه منها، ولا يجعل تجربةً واحدةً سببًا لترك الباب كله.
وللبقوليات قيمة خاصة في الأزمات الاقتصادية. فحين ترتفع أسعار اللحوم والدجاج والبيض والأسماك، لا ينبغي أن يستسلم البيت لطعامٍ كله خبزٌ وشايٌ وسكرٌ وزيت، بل يبحث عن البقوليات بحسب المتاح. فاللوبيا والعدس والفول والحمص والفاصوليا قد تكون سندًا غذائيًا مهمًا، خاصة إذا أُحسن التخزين والطبخ والتوزيع على الأسبوع. وهذا لا يعني أن ضيق المعيشة يُحلّ بالطعام وحده، ولكنه يعني أن الوعي يحسن إدارة القليل، ويمنع أن يتحول ضيق المال إلى ضيقٍ في القيمة الغذائية أيضًا
وقد قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: 81]. والآية جاءت في سياق خطاب بني إسرائيل، وهي تربط بين الأكل من الطيبات وترك الطغيان. وفي باب الغذاء، الطغيان قد يظهر في البطر واحتقار النعمة، كما يظهر في الإسراف وسوء الاستعمال. فالطعام البسيط إذا كان طيبًا نافعًا فلا يجوز أن يزدريه الإنسان، والطعام النافع إذا أُخذ بقدرٍ فهو من الرزق، أما إذا أدخلناه في عاداتٍ مضرة فقد خرجنا به عن مقصده
ومن المهم ألا ننسى أن البقوليات ليست طعامًا اضطراريًا لأصحاب الدخل المحدود وحدهم، بل يمكن أن تكون جزءًا من مائدة الأصحاء والرياضيين والعمال والطلاب وكبار السن بحسب الحاجة والحال. فالإنسان الذي يريد غذاءً متوازنًا لا يقيس طعامه بالمظهر، بل يسأل: ماذا يقدم هذا الطعام لجسدي؟ هل يشبعني بذكاء؟ هل يمدني ببروتين وألياف؟ هل يساعدني على تقليل الخبز الزائد والزيت الزائد؟ هل يمكن أن يكون بديلًا لبعض الوجبات المصنعة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون الفول أو العدس أكرم على الجسد من طعامٍ فاخرٍ في شكله فقيرٍ في حقيقته.
وفي البيوت، يمكن تنظيم البقوليات أسبوعيًا بذكاء. يومٌ للفول بطريقةٍ خفيفة، ويومٌ للعدس، ويومٌ لللوبيا أو الفاصوليا، مع تنويع الخضروات والتوابل الطبيعية، وتقليل الزيت، وضبط الملح، وتحديد كمية الخبز أو الكسرة. ويمكن إعداد كميةٍ مناسبةٍ دون إسراف، وحفظها بطريقة نظيفة، واستعمالها في أكثر من صورة. وهذا التنظيم يقلل التكلفة، ويمنع اللجوء المستمر إلى الأطعمة الجاهزة، ويجعل البيت أقدر على توفير وجبةٍ نافعةٍ بسرعة.
وفي المدرسة والجامعة والعمل، يمكن للبقوليات أن تكون جزءًا من حلٍّ غذائيٍّ عملي. فالطالب الذي يفطر على فولٍ معتدلٍ وخبزٍ بقدرٍ وماءٍ ، قد يكون أقدر على التركيز من طالبٍ يبدأ يومه ببسكويتٍ ومشروبٍ محلى. والعامل الذي يأكل وجبةً فيها عدس أو لوبيا وخضرة قد يجد شبعًا أطول من وجبةٍ سريعةٍ دهنية. والبيت الذي يرسل لأبنائه طعامًا بسيطًا متوازنًا قد يحميهم من شراء المقرمشات والمشروبات التي تملأ ولا تبني.
ولا بد أيضًا من التنبيه إلى أن بعض المرضى يحتاجون إلى مشورة خاصة. فمن لديهم مشكلات في الكلى، أو النقرس، أو اضطرابات هضمية معينة، أو أنظمة علاجية محددة، قد يحتاجون إلى تنظيم كمية بعض البقول أو نوعها بحسب رأي الطبيب. فالمقال يقرر قاعدة غذائية عامة، ولا يجعل البقوليات وصفةً مطلقةً لكل إنسانٍ في كل حال. والوعي الصحي الصحيح هو الذي يجمع بين الانتفاع بالأصل العام ومراعاة الحالة الخاصة.
ومن الأخطاء الاجتماعية أن تفرح الأسرة إذا استطاعت أن تترك الفول والعدس لأنها صارت قادرةً على اللحم كل يوم. قد يكون تحسن الحال نعمة، ولكن الحكمة ألا يطرد تحسن الدخل الطعام النافع من البيت. فليس معنى القدرة على شراء اللحم أن تختفي البقوليات، بل الأفضل أن تتكامل المائدة: لحم أحيانًا، وبيض أو لبن أحيانًا، وفول وعدس ولوبيا أحيانًا، وخضروات يومية ما أمكن، وحبوب بقدر. التنويع هنا أذكى من الانتقال من ضيق الاختيار إلى إسراف الاختيار.
وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. وهذه الآية تذكر الإنسان بأن الرزق ليس تفاخرًا ولا استهلاكًا بلا حساب، بل نعمةٌ متصلة بالمسؤولية والرجوع إلى الله. والبقوليات من رزق الأرض الذي قد يمر عليه الناس بلا شكرٍ كافٍ؛ لأنها مألوفة ورخيصة، مع أن المألوف قد يكون من أعظم النعم. فكم من بيتٍ حفظته وجبة فولٍ أو عدسٍ من الجوع، وكم من عاملٍ قام يومه بطبقٍ بسيط، وكم من أسرةٍ وجدت في البقول سندًا حين ضاقت الأسعار.
ومن الناحية التربوية، يجب ان نجعل التوازن عنوان العقل. فلا نتردد من تقديم العدس أو اللوبيا للضيف إذا أُحسن إعدادها، فالكرم ليس في السعر، بل في حسن التقديم ونظافة الطعام وطيب النفس ومراعاة الصحة. وقد تكون وجبةٌ بسيطةٌ مطبوخةٌ بإتقانٍ ونظافةٍ أبرك من مائدةٍ مثقلةٍ تخرج الناس منها بالخمول والثقل.
ومن الأسئلة العملية التي تعين البيت: كم مرة تدخل البقوليات في طعامنا أسبوعيًا؟ هل نغرقها في الزيت؟ هل نأكل معها خبزًا أكثر من الحاجة؟ هل نضيف إليها خضرةً وليمونًا وبصلًا وطماطم حيث يتيسر؟ هل نستعملها بدل بعض الأطعمة المصنعة؟ هل نخزنها جيدًا بعيدًا عن الرطوبة والسوس؟ هل نعلّم الأطفال قيمتها بدل امتهانها؟ هل نراعي من يتعب هضمه منها فنخفف له أو نختار له نوعًا أنسب؟ هذه الأسئلة تجعل البقوليات جزءًا من وعي البيت لا مجرد عادة قديمة.
إن البقوليات طعامٌ شعبيٌّ عظيم، وسندٌ مهم عند ضيق المال، لكنها أيضًا حكمة الأصحاء بمعنى أنها خيارٌ ذكيٌّ لمن يعرف قيمة الطعام. وهي تعلمنا أن الغذاء النافع ليس بالضرورة غاليًا، وأن البساطة ليست نقيض الصحة، وأن الوجبة المتوازنة قد تقوم على فولٍ أو عدسٍ أو لوبيا إذا أحسنّا إعدادها، كما قد تفسد أغلى الأطعمة إذا غرقناها في الزيت والملح والسكر وقلة الحركة.
وهكذا يكون الغذاء صحةً حين نعطي البقوليات مكانها العادل في المائدة، ويكون مرضًا حين نحتقر النافع البسيط، أو نفسده بسوء الإعداد، أو نستبدله دائمًا بأطعمةٍ أغلى وأضعف قيمة. فالفول والعدس واللوبيا ليست مجرد طعامٍ يسد الجوع، بل رزقٌ من الأرض، وبابٌ من أبواب الشبع الذكي، وسندٌ للبيت، وجسرٌ بين الاقتصاد والصحة. ومن فهم قيمتها لم يرها طعامًا شعبيًا عابرًا أو خيارًا اضطراريًا فقط، بل رآها حكمةً غذائيةً تصلح لكل بيتٍ، وللقرية والمدينة، متى حضرت بقدرٍ ووعيٍ وشكر.





