مضيق هرمز: التأثيرات العالمية والإقليمية وانعكاساتها على السودان
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

لا يحتاج العالم إلى حرب شاملة حتى يدخل في أزمة كبرى؛ فقد تكفي شرارة في ممر بحري ضيق، تعبر من خلاله نسبة معتبرة من طاقة العالم وتجارته، حتى تضطرب الأسواق، وترتفع الأسعار، وتتضرر دول بعيدة عن ساحة الصراع. وهذا هو جوهر الخطر المتجدد في مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر بحري بين إيران وسلطنة عُمان، بل أصبح إحدى أكثر نقاط العالم حساسية من الناحيتين الاقتصادية والأمنية.
ووفق التقديرات الدولية المتداولة قبل موجة التصعيد الأخيرة، كان يعبر المضيق نحو عشرين مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمشتقات البترولية، بما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية ونسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحرًا، إلى جانب حصة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما صادرات قطر. وتتجه معظم هذه الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية؛ ولذلك فإن أي اضطراب طويل فيه لا يبقى شأنًا خليجيًا أو إيرانيًا، بل يتحول سريعًا إلى أزمة طاقة ونقل وتضخم وغذاء على مستوى العالم.
ووفق المعطيات المتاحة وقت كتابة هذا المقال، دخل المضيق حالة من التعطيل الشديد والمرور المحدود أو الانتقائي والخطر المتزايد. فبعض السفن قد تواصل العبور، بينما تتوقف أخرى أو تنتظر بعيدًا عن منطقة التوتر، بسبب الهجمات والتهديدات وارتفاع أقساط التأمين واحتياطات شركات الشحن. ولذلك لا يتوقف تقدير وضع المضيق على إعلان فتحه أو إغلاقه، وإنما يرتبط بمدى قدرة السفن التجارية على المرور الآمن والمنتظم، وبحجم الحركة الفعلية وتكلفتها والمخاطر المحيطة بها.
ولا يمكن فهم الأزمة باعتبارها نزاعًا بحريًا محدودًا؛ فهي جزء من صراع أوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، تتداخل فيه العقوبات والبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والوجود العسكري وترتيبات أمن الخليج. وتنظر إيران إلى المضيق بوصفه إحدى أهم أوراق القوة والردع التي تمتلكها، وترى أن أمن صادرات الدول الأخرى لا يمكن فصله عن أمنها الاقتصادي وقدرتها على تصدير نفطها والوصول إلى الأسواق. ومن هذا المنظور يصبح التأثير في الملاحة وسيلة للضغط على القوى الكبرى والدول المستوردة للطاقة، ودفعها إلى التدخل أو العودة إلى التفاوض.
ويحتل المضيق في الوقت نفسه وضعًا قانونيًا وجغرافيًا معقدًا؛ فهو ممر مستخدم للملاحة الدولية، وتقع إيران على ضفته الشمالية، بينما تقع سلطنة عُمان على جزء مهم من ضفته الجنوبية. وتستند حركة السفن والطائرات فيه إلى القواعد الدولية المنظمة للملاحة في المضائق المستخدمة دوليًا، في حين ترتبط سياسات الدول المطلة عليه باعتبارات السيادة والأمن وحماية السواحل والمنشآت العسكرية والاقتصادية. ولذلك تتداخل في إدارته اعتبارات القانون الدولي مع حسابات القوة والأمن الإقليمي.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى حرية الملاحة في المضيق باعتبارها جزءًا من حماية حركة التجارة الدولية ومصالحها ومصالح حلفائها، إلى جانب المحافظة على حضورها العسكري ودورها في ترتيبات أمن الخليج. أما إسرائيل فتنظر إلى تطورات المضيق ضمن مواجهتها الأوسع مع إيران، وما يرتبط بها من ملفات عسكرية وصاروخية ونووية وإقليمية. وتسعى دول الخليج إلى استمرار تصدير النفط والغاز وحماية منشآتها وموانئها، مع تجنب انتقال المواجهة المباشرة إلى أراضيها أو تعرض مرافقها الحيوية للضربات.
وهذه المصالح، وإن التقت في بعض الجوانب، ليست متطابقة تمامًا؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج تختلف في مقدار التصعيد الذي يمكن لكل منها تحمله، وفي طبيعة النتائج التي تريد الوصول إليها. كما أن سلطنة عُمان تتميز بدورها الجغرافي والدبلوماسي، وقدرتها على التواصل مع الأطراف المتقابلة، مما يجعلها حاضرة في أي ترتيبات تتصل بأمن المضيق وتهدئة التوتر.
أما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فهي أطراف رئيسة في هذه المعادلة، لكونها من أكبر مستوردي الطاقة العابرة لهرمز. ويجعلها اعتمادها الكبير على النفط والغاز الخليجيين حريصة على استمرار الإمدادات وتجنب حرب واسعة ترفع كلفة الصناعة والنقل والمعيشة. وقد يدفع استمرار الأزمة هذه الدول إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية، وتنويع مصادر الطاقة، وتسريع مشروعات الأنابيب والموانئ والطرق البديلة.
وتوجد بالفعل بعض المسارات التي تخفف الاعتماد على المضيق، مثل خط النفط السعودي الممتد إلى موانئ البحر الأحمر، وخط الإمارات إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عُمان خارج المضيق، إضافة إلى إمكان السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وزيادة إنتاج بعض الدول. غير أن هذه البدائل لا تستطيع استيعاب جميع الكميات التي تمر عبر هرمز، ولذلك يمكنها تقليل حجم الصدمة، لكنها لا تعوض بصورة كاملة توقف الملاحة أو اضطرابها مدة طويلة.
ولا تقف آثار الأزمة عند سعر النفط؛ فالطاقة تدخل في تكلفة النقل والكهرباء والزراعة والصناعة والتعدين والطيران والشحن. كما أن دول الخليج من المصادر المهمة للغاز والأسمدة والبتروكيماويات، ولذلك ينتقل الاضطراب من أسواق الطاقة إلى أسعار الغذاء والدواء ومواد البناء والسلع المستوردة. وتزداد كلفة التأمين والنقل، وقد تتأخر الإمدادات، فتواجه الدول المستوردة ضغوطًا على ميزانياتها وعملاتها ومستويات التضخم فيها.
وتكون الدول الفقيرة والهشة أكثر تعرضًا لهذه التداعيات، لأنها لا تملك احتياطيات مالية كبيرة أو مخزونات استراتيجية كافية، كما تقل قدرتها على دعم الوقود والخبز والكهرباء. وهكذا قد يشعر المواطن البعيد عن الخليج بأثر الأزمة في سعر المواصلات والغذاء والدواء، حتى وإن لم يكن لبلده دور مباشر في المواجهة.
أما السودان، فإنه من الدول القابلة للتأثر بوضوح بسبب ضعف الإنتاج وقلة الاحتياطيات النقدية واعتماده على استيراد عدد من السلع الأساسية والمدخلات. فارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين يزيد تكلفة استيراد الوقود والقمح والدواء والآلات والمدخلات الزراعية والصناعية، ويرفع أجور النقل وأسعار السلع، ويضيف مزيدًا من الضغط على سعر الصرف.
غير أن هذا التأثر ليس قدرًا محتومًا، بل هو في جانب كبير منه نتيجة خلل البيئة الكلية التي تعوق الإنتاج والاستثمار وتبدد موارد البلاد. فلو كانت البيئة العامة في السودان سليمة ومنضبطة، تقوم على الاستقرار والحوكمة ووضوح السياسات وحرية النشاط الاقتصادي وكفاءة المؤسسات، لتولد عنها إنتاج ضخم تؤهله له موارده ومقوماته، وكان من شأنه أن يعوض ارتفاع أسعار المواد المستوردة عمومًا، والوقود والقمح خصوصًا، من خلال زيادة الصادرات وإحلال جانب معتبر من الواردات بالإنتاج المحلي. بل ربما رجحت كفة السودان اقتصاديًا في مثل هذه الأزمات، لما يملكه من أراضٍ واسعة ومياه وثروة حيوانية ومعادن وموقع استراتيجي وقدرة كبيرة على إنتاج الغذاء والطاقة والمواد الخام التي ترتفع قيمتها عند اضطراب الأسواق العالمية.
كما أن امتداد التوتر إلى البحر الأحمر أو باب المندب قد يرفع تكلفة التجارة عبر ميناء بورتسودان، ويؤثر في انتظام حركة السفن والإمدادات. ولذلك فإن أثر الأزمة في السودان سيكون في الغالب سلبيًا في ظل أوضاعه الحالية، بينما يمكن أن يتحول في بيئة اقتصادية سليمة ومنتجة إلى فرصة لزيادة الإنتاج والصادرات والاستفادة من ارتفاع الطلب والأسعار، ولا سيما في الغذاء والثروة الحيوانية والمعادن والمنتجات الزراعية.
ويبرز خطر إضافي في احتمال اتصال أزمة هرمز بالتوترات القائمة في باب المندب والبحر الأحمر. فإذا تعرض الممران معًا لتعطيل واسع، فقد تضطر سفن كثيرة إلى تغيير مسارها والدوران حول رأس الرجاء الصالح، مما يزيد زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكلفة الشحن والتأمين. وعندها تصبح المنطقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس ساحة مترابطة للتنافس على طرق التجارة العالمية.
ولا تقتصر المخاطر على الاقتصاد والأمن، بل تشمل الجوانب الإنسانية والبيئية أيضًا. فاستهداف ناقلة نفط أو منشأة ساحلية يمكن أن يؤدي إلى حرائق وتسربات نفطية واسعة، تهدد السواحل والثروة السمكية ومحطات تحلية المياه. كما أن وجود الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام والزوارق العسكرية في ممر مكتظ بالسفن يزيد احتمالات وقوع حوادث ناتجة عن سوء التقدير أو الخطأ في تحديد الأهداف، وقد يؤدي حادث واحد كبير إلى توسيع نطاق المواجهة.
وأمام الأزمة عدة مسارات محتملة؛ أولها احتواء سريع يعيد حركة المرور إلى طبيعتها من خلال تفاهمات تضمن سلامة السفن وتخفف الضربات المتبادلة. وثانيها استمرار وضع بين الحرب والسلم، يبقى فيه المضيق مفتوحًا جزئيًا، مع استمرار التهديدات والهجمات المحدودة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. أما المسار الثالث فهو الانزلاق إلى حرب أوسع تستهدف الموانئ والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية وخطوط الأنابيب، وربما تمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب.
وقد تتمكن القوى العسكرية الموجودة في المنطقة من حماية بعض السفن أو مرافقتها واستهداف مصادر التهديد، لكن تأمين حركة آلاف السفن على مدى طويل يظل مهمة معقدة ومكلفة. كما تستطيع إيران التأثير بصورة كبيرة في حركة الملاحة، غير أن استمرار هذا الوضع ينعكس كذلك على صادراتها واقتصادها وعلاقاتها بالدول المستوردة للطاقة، ويعرض منشآتها وقدراتها العسكرية لمزيد من الضغوط والضربات. وهكذا يمتلك كل طرف أدوات ضغط وإيذاء، بينما تبقى النتائج النهائية مرتبطة بمدة المواجهة واتساعها واستجابات القوى الإقليمية والدولية.
وتتجه التصورات المطروحة لمعالجة الأزمة نحو ترتيبات أمنية وقانونية تحفظ استمرار الملاحة، وتراعي سيادة الدول المطلة، وتشرك سلطنة عُمان ودول الخليج في إدارة المخاطر، مع إنشاء قنوات اتصال دائمة تحول دون سوء الفهم، وآليات للتحقيق في الحوادث البحرية. غير أن استقرار المضيق على المدى الطويل يظل مرتبطًا بمعالجة القضايا الأوسع المحيطة بالصراع، لأن التهدئات المؤقتة قد تخفف التصعيد دون أن تزيل أسبابه.
إن مضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممر للنفط والغاز، بل نقطة تلتقي عندها مصالح الدول الكبرى والإقليمية، وتتقاطع فيها اعتبارات الطاقة والأمن والقانون والتجارة. وأي اضطراب طويل فيه لا يبقى محصورًا بين أطراف المواجهة، بل يمتد أثره إلى البحارة والمزارعين والمصانع والأسر والدول الفقيرة التي تعتمد على استيراد الوقود والغذاء والدواء. وللسودان في هذه الأزمة درس يتجاوز ارتفاع كلفة الواردات؛ إذ تكشف الصدمات الخارجية مرة أخرى أن الدول لا تحتمي بكثرة مواردها وحدها، بل بسلامة بيئتها العامة وقدرتها على تحويل مواردها إلى إنتاج وصادرات وقوة اقتصادية. ومن هنا تكتسب تطورات المضيق أهميتها العالمية، لأن ما يحدث في هذه المساحة البحرية الضيقة يمكن أن ينعكس على حياة الملايين في مختلف القارات.





