مقالات

ابن خلدون وإصلاح البيئة العامة: حين تلتقي حكمة العمران مع حزمة النهضة

بهدوء وتدبر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

لم يكن عبد الرحمن بن خلدون مؤرخًا يروي أخبار الدول كما وقعت فحسب، بل كان عقلًا كاشفًا لسنن قيامها وضعفها وسقوطها. فمن يقرأ مقدمته قراءة واعية يدرك أنه لم يكن يتحدث عن دول مضت وانقضت، وإنما كان يضع أمام الأمم قانونًا عميقًا للعمران البشري: كيف تنشأ الدولة، وبماذا تقوى، وكيف تدوم، ولماذا تضعف، ومتى تبدأ علامات الانهيار في التسلل إليها قبل سقوطها الظاهر بزمن طويل.

وقيمة ابن خلدون لا تقف عند أنه قال ذلك في زمنه، بل في أن هذه المعاني التي سطرها قبل نحو ستة قرون ونصف لا تزال كأنها كُتبت لواقعنا اليوم؛ فالظلم، وفساد الجباية، ومزاحمة الدولة للرعية في معاشهم، وضعف الثقة، ليست عنده حوادث متناثرة، بل علامات عميقة على اختلال العمران، وإنذار مبكر بتراجع الدول قبل سقوطها الظاهر.

في جوهر فكر ابن خلدون أن الدولة لا تقوم بالمصادفة، ولا تنهض بالشعارات، ولا تستقر بالقوة المجردة وحدها، وإنما تقوم حين تتوافر لها رابطة جامعة، وعدل يحفظ الناس، واقتصاد منتج، وسلطة قادرة، وبيئة عامة تشجع العمل وتحفظ الثقة. فإذا تحولت القوة إلى استبداد، والجباية إلى إرهاق، والدولة إلى مزاحم للرعية في معاشهم، والسلطة إلى مصدر امتيازات، بدأ العمران في الانكماش ولو بقيت مظاهر الدولة قائمة.

وأول ما يلفت النظر عند ابن خلدون أنه جعل الاجتماع الإنساني أصلًا من أصول العمران؛ فالإنسان لا يعيش وحده، ولا ينتج وحده، ولا يحمي نفسه وحده، وإنما يحتاج إلى مجتمع منظم ودولة تحفظ الأمن وتمنع العدوان وتفتح الطريق أمام المعاش. فإذا ضعفت الدولة العادلة، أو تحولت إلى أداة قهر وجباية، خاف الناس على أموالهم وأنفسهم، وانكمش الإنتاج، وفسدت الأسواق، وتراجعت الثقة، وبدأ الخراب من الداخل قبل أن يأتيه الخطر من الخارج.

ومن أعظم مفاتيح فكره مفهوم العصبية، وهي ليست في معناها العميق مجرد رابطة قبلية ضيقة، بل قوة التماسك التي تجعل جماعة من الناس قادرة على التعاون والتضحية وحمل مشروع عام. وحين تلتحم هذه العصبية بمعنى أخلاقي أو ديني أو وطني كبير، تتضاعف قوتها؛ لأنها لا تعود مجرد صراع على الغلبة، بل تتحول إلى طاقة بناء ورسالة. ولذلك فإن الدولة الحديثة تحتاج إلى عصبية من نوع جديد: عصبية وطنية مؤسسية، أساسها الثقة في القانون، وعدالة الفرص، وشعور المواطن بأن الدولة دولته، وأن النظام يحميه ويفتح له أبواب العمل لا يغلقها في وجهه.

غير أن ابن خلدون كان شديد الوعي بأن القوة التي تؤسس الدولة قد تتحول بعد الاستقرار إلى احتكار للسلطان والثروة. وهنا يظهر أصل الداء: حين تنفصل الدولة عن وظيفتها العمرانية، ويتحول الحكم من خدمة الناس إلى السيطرة عليهم. ولذلك جاءت عبارته الشهيرة حاسمة حين قال: «الظلم مؤذن بخراب العمران». وهذه ليست موعظة أخلاقية عابرة، بل قانون سياسي واقتصادي بالغ العمق؛ فالظلم حين يقع على الأموال والحقوق والفرص يقتل الحافز، ويضعف الإنتاج، ويطرد الثقة، ويجعل الناس ينكمشون عن العمل أو يهربون به خارج دائرة الدولة. ومن هنا يتضح أن العدل ليس قيمة معنوية فقط، بل هو بنية أساسية من بنى الاقتصاد، كما أن الظلم ليس فسادًا أخلاقيًا فحسب، بل آلية مباشرة لهدم العمران.

والظلم عند ابن خلدون أوسع من أن يكون اعتداء فرديًا مباشرًا؛ فهو يشمل مصادرة الأموال، وإرهاق الناس بالجبايات، والتسلط على الملكيات، وتعطيل المعاش، ومحاباة فئة على حساب فئة، وتدخل السلطان فيما لا يحسن التدخل فيه. فكلما شعر الناس أن ثمرة عملهم ليست لهم، وأن القواعد غير عادلة، وأن الطريق إلى النجاح يمر عبر القرب من السلطة لا عبر الكفاءة والإنتاج، ضعفت هممهم عن العمل، وانكمشت الأسواق، وتراجعت موارد الدولة نفسها.

ومن أدق ما قرره ابن خلدون في الاقتصاد حديثه عن الجباية؛ فقد وضع قاعدة تكاد تختصر كثيرًا من علم المالية العامة حين قال: «اعلم أن الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة». ومعنى ذلك أن الدولة في عافيتها تخفف العبء على الناس فينشطون للعمل، فإذا اتسع العمل كبرت الحصيلة العامة، أما الدولة التي تدخل طور الضعف فإنها تكثر الرسوم والضرائب ظنًا منها أنها تزيد مواردها، فإذا بها تخنق النشاط الذي تعتمد عليه مواردها أصلًا.

ثم يزيد هذا المعنى وضوحًا بقوله: «إذا قلّت الوزائع والوظائف على الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه، فيكثر الاعتمار». وهذا هو لبّ الإصلاح الاقتصادي في كل زمان: لا تطلب من المجتمع أن ينتج وأنت تثقل ظهره بالرسوم، ولا تنتظر من السوق أن ينهض وأنت تحاصره بالقيود، ولا تطمع في وفرة الإيراد العام إذا كانت الدولة تقتل المنبع الذي يأتي منه الإيراد. فالدولة لا تغتني بعصر المجتمع، بل بتقوية قدرته على الإنتاج، ولا تزيد مواردها بتكثير الأعباء على الناس، بل بتوسيع قاعدة العمل والكسب والتبادل.

ومن بصائره الكبرى أيضًا تحذيره من دخول الدولة في التجارة ومزاحمة الرعية، حتى قال إن «التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية». وهذه عبارة تصلح أن تكون قاعدة مركزية في إصلاح الدولة الحديثة؛ لأن الدولة حين تدخل السوق تاجرة أو محتكرة أو مزاحمة لا تدخل كطرف عادي، بل تدخل بقوة السلطان والنفوذ والترخيص والمنع، فتفسد المنافسة، وتطرد المنتجين الحقيقيين، وتحول الاقتصاد من ميدان كفاءة ومبادرة إلى ميدان قرب وامتياز واحتكار.

ومن هنا تتضح الصلة العميقة بين فكر ابن خلدون وحزمة إصلاح البيئة العامة التي ندعو إليها: التحرير الاقتصادي الشامل، والحوكمة العامة، والرقمنة المتكاملة. فهذه الحزمة ليست ترفًا إداريًا ولا استيرادًا لمصطلحات حديثة، بل هي في جوهرها تنزيل معاصر لسنن العمران التي كشفها ابن خلدون. فالتحرير الاقتصادي الشامل يعني إطلاق طاقة المجتمع في الإنتاج والتجارة والاستثمار، ورفع القيود المصطنعة، ومنع الاحتكار، وتحرير الأسواق والتجارة وحركة الصادر والوارد، متضمنًا تحرير سعر العملة وفق العرض والطلب بصورة مباشرة وشفافة عبر منصة مركزية معلنة، حتى يظهر السعر الحقيقي، وتضيق فجوة السوق الموازي، وتعود الموارد إلى مساراتها الطبيعية، وتعود الدولة إلى دورها الصحيح: منظمة وحامية وعادلة، لا تاجرة محتكرة ولا موزعة امتيازات.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر جوهري: أن هذه الحزمة لا تؤتي ثمرتها إذا نُزّلت أجزاءً متفرقة أو على مراحل متباعدة، بحيث يُحرر الاقتصاد مثلًا، بما في ذلك سعر العملة، من غير حوكمة تضبط المنافسة وتمنع الاحتكار، أو تُعلن الحوكمة من غير رقمنة تكشف المسارات، أو تُطلق الرقمنة من غير تحرير يفتح السوق ويكسر القيود المصطنعة. فهذه العناصر الثلاثة متساندة لا متجاورة فحسب؛ كل واحد منها يحمي الآخر ويكمله. فالتحرير بلا حوكمة قد يتحول إلى فوضى أو احتكار جديد، والحوكمة بلا رقمنة قد تبقى شعارات وإجراءات ورقية قابلة للالتفاف، والرقمنة بلا تحرير قد تصبح مجرد تحديث شكلي لجهاز مقيد خانق. لذلك فإن شرط نجاح الإصلاح أن تُنزّل الحزمة مجتمعة ومتوازية ومتكاملة، لا منفصلة ولا متتالية على نحو يفرغ بعضها من أثر بعض؛ وإلا فقد لا تثمر، بل ربما أدت إلى نتائج أسوأ، حين يُفتح باب دون أن تُقام له قواعد، أو تُعلن قاعدة دون أن توجد لها أدوات تنفيذ، أو تُبنى أداة رقمية فوق بيئة اقتصادية مشوهة.

أما الحوكمة العامة فهي الصورة المؤسسية للعدل الذي جعله ابن خلدون أساس العمران. فالعدل في الدولة الحديثة لا يتحقق بالنوايا الطيبة وحدها، بل يتحقق بقانون واضح، ومؤسسات مستقلة، وقضاء ناجز، ومنافسة مفتوحة، وموازنة معلنة، وضرائب عادلة، ومشتريات عامة شفافة، ومساءلة لا تستثني أحدًا. فإذا كان خراب الدول عند ابن خلدون يبدأ حين يتحول الملك إلى استبداد، والجباية إلى عسف، والسلطة إلى غلبة، فإن العلاج اليوم يكون ببناء قواعد تمنع الشخصنة، وتضبط السلطة، وتغلق منافذ الفساد والامتياز الخفي.

وأما الرقمنة المتكاملة فهي الأداة العملية التي تجعل الحوكمة واقعًا لا شعارًا. فالفساد يعيش في الظلام، والتهرب ينمو في الورق، والاحتكار يتغذى على الغموض، والظلم الإداري يزدهر حين تكون الإجراءات مبهمة والسلطات تقديرية. فإذا رُقمنت السجلات، والأراضي، والجمارك، والضرائب، والعقود، والمشتريات، والمحاكم، والتراخيص، والخدمات، أصبح مسار القرار مكشوفًا، وقلت الواسطة، وضاق مجال الابتزاز، وسهلت المحاسبة، واستعاد المواطن والمستثمر قدرًا كبيرًا من الثقة.

إن ابن خلدون لو نظر إلى دولة تعاني من اضطراب العملة، وضعف الإنتاج، وكثرة الرسوم، وغموض الإجراءات، وتعدد الجبايات، واحتكار الفرص، وتدخل الدولة في الأسواق، وهروب رؤوس الأموال والكفاءات، لما رأى ذلك مجرد أزمة مالية عابرة، بل علامة من علامات اختلال العمران. ولرأى أن العلاج لا يكون بطباعة المال، ولا بتبديل الأشخاص وحدهم، ولا بملاحقة التجار، ولا بتكثير الأوامر، وإنما بإصلاح القواعد التي تحكم الملكية والعمل والتجارة والجباية والقضاء والإدارة.
ولهذا فإن إصلاح البيئة العامة هو المدخل الأكبر للنهضة. فالدولة لا تبني اقتصادًا قويًا وهي تخنق السوق، ولا تجمع إيرادًا مستقرًا وهي تقتل الحافز، ولا تجذب الاستثمار وهي تجعل القواعد غامضة، ولا تثبت العملة وهي تهدم الثقة، ولا تحارب الفساد وهي تترك الأبواب الخلفية مفتوحة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحويل الدولة من عبء على العمران إلى خادم له، ومن مزاحم للناس إلى منظم عادل، ومن جهاز جباية إلى مؤسسة تمكين، ومن سلطة ورقية بطيئة إلى دولة رقمية شفافة.

ومن هنا فإن التقشف الشكلي لا يكفي، كما أن زيادة الجباية لا تنقذ. المطلوب هو تغيير بنية الدولة نفسها: أن تعرف حدودها، وأن تخرج من التجارة والاحتكار، وأن تحكم بالقانون، وأن تفتح السوق، وأن توحد الرسوم، وأن تجعل كل معاملة قابلة للتتبع، وأن تمنح الفرص عبر منافسة حرة معلنة، لا عبر القرب والولاء والباب الخلفي. عندها فقط تتولد عصبية وطنية جديدة، لا تقوم على الدم أو الجهة أو الحزب، بل على الثقة والعدل والمصلحة العامة.
إن سقوط الدول في منطق ابن خلدون لا يبدأ يوم تسقط عاصمتها، بل يوم تسقط الثقة بينها وبين الناس. يبدأ حين يرى المواطن أن الدولة لا تنصفه، وحين يرى المنتج أن جهده مهدد، وحين يرى المستثمر أن القانون غير مضمون، وحين يرى التاجر أن السوق ليس مفتوحًا، وحين يرى الشاب أن الفرصة لا تُنال بالكفاءة بل بالعلاقة. فإذا ماتت الثقة ماتت معها روح العمران، وإن بقيت المباني واللافتات والمؤسسات.

وفي المقابل، لا تبدأ النهضة بكثرة الشعارات، بل بإصلاح البيئة التي يعمل فيها الناس. فإذا أمن المواطن على ملكه، واطمأن المستثمر إلى القانون، وعرف التاجر قواعد السوق، وخفت الجباية، وانكسر الاحتكار، وانكشفت الإجراءات بالرقمنة، واستقامت المنافسة، وتحرر سعر العملة عبر منصة مركزية شفافة تعكس العرض والطلب بدل أن تترك الناس بين سعر رسمي وسوق موازٍ، تحركت طاقات المجتمع من تلقاء نفسها. فالشعوب لا تحتاج إلى من يدفعها إلى العمل بقدر ما تحتاج إلى من يرفع عنها القيود التي تمنعها من العمل.

هذه هي خلاصة الصلة بين ابن خلدون وحزمتنا الإصلاحية: أن العمران لا يقوم إلا بالعدل، والعدل لا يستقر إلا بالحوكمة، والحوكمة لا تكتمل في عصرنا إلا بالرقمنة، والإنتاج لا ينطلق إلا بالتحرير الاقتصادي المنضبط بقانون شفاف. لذلك فإن التحرير الاقتصادي الشامل، والحوكمة العامة، والرقمنة المتكاملة ليست مجرد برنامج إداري، بل هي مشروع لإعادة بناء الثقة، وإحياء العمران، ومنع الدولة من السير في طريق الشيخوخة والانهيار.

لقد قال ابن خلدون كلمته قبل نحو ستة قرون ونصف، لكن معناها لا يزال حيًا: الظلم يهدم العمران، والجباية إذا تجاوزت حدها قتلت موردها، ومزاحمة السلطان للرعية تفسد السوق والدولة معًا، والعصبية إذا ضعفت تفككت الدولة. أما واجبنا اليوم فهو أن نقرأ هذه السنن لا بوصفها تراثًا نفاخر به، بل بوصفها مرآة نصلح بها حاضرنا.

فالدول لا تسقط لأنها فقيرة فقط، بل لأنها تفقد العدل والثقة والمعنى. ولا تنهض لأنها تملك الموارد وحدها، بل لأنها تحسن تنظيم هذه الموارد في بيئة عادلة منتجة. ومن أراد للسودان نهضة حقيقية فعليه أن يبدأ من هنا: إصلاح البيئة العامة، تحريرًا للاقتصاد، وحوكمة للدولة، ورقمنة للإدارة، وتحريرًا شفافًا لسعر العملة وفق العرض والطلب عبر منصة مركزية، حتى يصبح العمران ممكنًا، والإنتاج مجزيًا، والثقة أساسًا، والدولة خادمة للناس لا عبئًا عليهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى