
لم تكن بارا مجرد مدينة ولم تكن جبرة وأم سيالة وأم قرفة مجرد نقاط على خارطة العمليات العسكرية بل كانت عنواناً لمعركة أكبر من حدود الجغرافيا معركة أرادتها المليشيا بوابة لخنق الاقتصاد السوداني وعزل غرب البلاد عن وسطها وشرقها لكنها اصطدمت بإرادة شعب وجيش أدركا أن الدفاع عن طريق الصادرات ليس دفاعاً عن طريق معبّد فحسب بل دفاع عن لقمة العيش وحركة الإنتاج وشريان ظل لعقود يضخ الحياة في جسد الوطن.
واليوم ومع عودة هذه المناطق إلى حضن الوطن تتهاوى أوهام التمرد أمام زحف الحقيقة ويعود طريق الصادرات ليرفع رأسه من جديد بعد أن حاولت المليشيا تحويله إلى ممر للخوف والفوضى إنها لحظة انتصار لا تقاس بعدد الكيلومترات المستردة بل بحجم الأمل الذي عاد إلى قلوب المواطنين وبمقدار الثقة التي استردها السودان في قدرته على تجاوز المحن وصناعة المستقبل.
هذه ليست مجرد أسماء لمناطق على خارطة شمال كردفان بل هي محطات ذات أهمية استراتيجية واقتصادية واجتماعية ارتبطت بتاريخ الحركة التجارية ومسارات الرُحّل وقوافل الصادرات وظلت شاهدة على تماسك المجتمع السوداني عبر عقود طويلة واليوم ومع عودتها إلى سيطرة الدولة وتأمينها بواسطة القوات المسلحة والقوات المساندة يحق للسودانيين أن ينظروا إلى المستقبل بقدر أكبر من التفاؤل والثقة.
لقد كانت معركة استعادة هذه المناطق أكثر من مجرد عملية عسكرية لأنها تمثل استعادة لشريان اقتصادي ظل يمثل رئة السودان الغربية فطريق الصادرات ليس طريقاً عادياً بل هو أحد أهم الطرق القومية التي تربط مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني بمراكز الاستهلاك والتصدير وعلى امتداده تتحرك الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية والسلع التجارية وتنتعش الأسواق وتدور عجلة الاقتصاد وتستفيد آلاف الأسر التي تعتمد على حركة التجارة والنقل.
ولذلك فإن أي تهديد لهذا الطريق لا يؤثر على منطقة بعينها وإنما ينعكس على السودان بأكمله فحين تتوقف حركة النقل تتعطل التجارة وترتفع الأسعار وتتضرر مصالح المواطنين وتتأثر سلاسل الإمداد والإنتاج ومن هنا جاءت أهمية الانتصارات الأخيرة التي أعادت الأمن إلى هذه المناطق الحيوية وفتحت الطريق أمام عودة النشاط الاقتصادي بصورة طبيعية.
إن مدينة بارا على وجه الخصوص ليست مجرد مدينة عريقة في شمال كردفان بل هي واحدة من أهم المحطات الاقتصادية والتجارية التي تربط بين أجزاء واسعة من السودان وظلت عبر تاريخها مركزاً للتجارة والتبادل الاقتصادي ومعبراً للقوافل القادمة من الغرب والمتجهة نحو وسط البلاد وشرقها ولذلك فإن استقرار بارا وتأمين محيطها يمثل مكسباً وطنياً يتجاوز حدود الولاية إلى فضاء السودان كله.
كما أن جبرة وأم سيالة وأم قرفة تمثل نقاطاً ذات أهمية كبيرة في معادلة الأمن والاستقرار إذ إن تأمينها يعني تأمين مساحات واسعة من الحركة الاقتصادية وحماية المواطنين وممتلكاتهم وضمان انسياب البضائع والسلع دون معوقات وهو ما يجعل من الانتصار العسكري مدخلاً مباشراً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
ولعل ما يميز هذه الانتصارات أنها لم تقتصر على استرداد الأرض فحسب بل أعادت الثقة في قدرة الدولة على حماية مقدراتها الاستراتيجية وتأمين مصالح مواطنيها فالحروب لا تُقاس فقط بنتائج المعارك في الميدان وإنما بما تتركه من آثار على حياة الناس واستقرارهم وعندما يعود طريق الصادرات آمناً فإن ذلك يعني عودة الشاحنات إلى الحركة وعودة الأسواق إلى النشاط وعودة المنتجين والمزارعين والرعاة إلى أعمالهم في بيئة أكثر استقراراً وأمناً.
كما أن تأمين هذا الطريق الحيوي يحمل رسائل مهمة للمستقبل مفادها أن السودان قادر على استعادة عافيته الاقتصادية مهما كانت التحديات وأن إرادة البناء أقوى من محاولات الهدم والتخريب فالمليشيا سعت إلى ضرب مفاصل الاقتصاد الوطني وإرباك حركة التجارة وإضعاف موارد الدولة لكن الواقع أثبت أن المؤسسات الوطنية قادرة على تجاوز المحن وإعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي
وفي خضم هذه الانتصارات تقف القوات المسلحة السودانية شامخة كما عهدها الشعب السوداني عبر تاريخه الطويل فقد أثبتت هذه المؤسسة الوطنية العريقة أنها الدرع الذي يحمي البلاد وقت الشدائد والسند الذي يلجأ إليه الشعب حين تتعاظم التحديات وخلال معركة الكرامة قدم الضباط وضباط الصف والجنود أروع نماذج البسالة والتضحية والفداء وهم يدافعون عن الأرض والعرض والسيادة الوطنية.
لقد خاض أبناء القوات المسلحة معاركهم في ظروف استثنائية وواجهوا تحديات كبيرة لكنهم ظلوا ثابتين على مواقفهم مؤمنين بعدالة قضيتهم وبحق السودان في الأمن والاستقرار وما تحقق في هذه المحاور من انتصارات على الأرض لم يكن وليد الصدفة وإنما ثمرة لصبر طويل وتخطيط محكم وتضحيات جسيمة قدمها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
فليعلم الجميع أن السودان لا يُهزم ما دام في ميادينه رجال يحملون أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن الأرض والعِرض والسيادة تحية البسالة والصمود للهجانة ام ريش والقوات المسانده لها في التضحيات العظيمة
فاصلة
ها هي بارا وجبرة وأم سيالة وأم قرفة تعود اليوم شاهدة على أن إرادة الوطن أقوى من الفوضى وأن راية الدولة ستظل مرفوعة فوق كل شبر من ترابه
إن طريق الصادرات الذي حاولت المليشيا خنقه يعود اليوم نابضاً بالحياة وتعود معه قوافل الإنتاج والتجارة والأمل وما هذه الانتصارات إلا بداية لمرحلة جديدة عنوانها الأمن والاستقرار والبناء ورسالتها أن السودان يمضي إلى الأمام بثقة لا تعرف التراجع.
فالمعركة لم تكن معركة أرض فحسب بل معركة بقاء وطن وقد انتصر الوطن وسينتصر أكثر حتى يعود آخر شبر ويُرفع آخر علم وتعود كل بقعة دنستها يد التمرد إلى سيادة الدولة وحينها سيعلن السودان للعالم أن زمن الفوضى قد ولى إلى غير رجعة وأن فجر الدولة القوية قد بزغ من جديد وأن طريق الصادرات سيظل طريقاً للحياة والتنمية والوحدة الوطنية شاهداً على صمود شعب لا ينكسر ووطن ينهض من بين التحديات أكثر قوة وعزة ومنعة
الرحمة والمغفرة للشهداء وعاجل الشفاء للجرحي والمصابين .
اللهم أمّنا في أوطاننا




