سعاد سلامة تكتب | همس البوادي | من واشنطن إلى الخرطوم حين يتحدث وزير الصحة الاتحادي بلغة الأمل وحق المواطن في العلاج

لم يكن المنبر التنويري الذي عقده وزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد إبراهيم والذي استضافته وكالة السودان للانباء سونا مجرد لقاء إعلامي عابر ولم تكن رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية زيارة بروتوكولية تضاف إلى سجل السفر الرسمي بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية يمر به السودان وهو يواجه واحدة من أعقد الأزمات الصحية التي أفرزتها الحرب
في السنوات الأخيرة أصبح القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات استهدافاً وتأثراً مستشفيات خرجت عن الخدمة ومراكز صحية تعرضت للتخريب وكوادر طبية اضطرت للنزوح أو الهجرة بينما ظل المواطن السوداني يواجه المرض والحرب في آن واحد وسط هذه التحديات برزت أهمية التحرك الخارجي لطرق أبواب الدعم والشراكات الدولية وإعادة وضع الملف الصحي السوداني على طاولة الاهتمام العالمي
حديث الوزيردهيثم محمد من الخرطوم حمل دلالات تتجاوز الأرقام والتقارير فهو حديث عن دولة تحاول أن تعيد بناء ما هدمته الحرب وعن مؤسسات ما زالت تقاوم للحفاظ على حق المواطن في العلاج والدواء والخدمة الصحية كما أن استعراض نتائج زيارة واشنطن يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حجم المكاسب التي يمكن أن يجنيها السودان من انفتاحه على المؤسسات الصحية والإنسانية الدولية
ولعل ما يبعث على التفاؤل أن وزير الصحة لم يكتف بالحديث عن الرؤى والخطط المستقبلية بل قدم مؤشرات عملية على الجهود الجارية في الميدان فقد أكد أن شبكات الترصد الوبائي تتابع الوضع الصحي في مختلف الولايات وكشف عن نجاح الوزارة في احتواء بؤرة الكوليرا بمنطقة المزروب بولاية شمال كردفان والتعامل السريع مع حالات محدودة بمحلية شيكان دون أن تتطور إلى تفشٍ واسع وهي جهود تؤكد أن اليقظة الصحية ما زالت حاضرة رغم كل الظروف
كما أن إنشاء مراكز للعزل وتوفير الإمدادات الطبية والعلاجية بالتنسيق مع الشركاء والمنظمات الإنسانية يعكس فهماً حقيقياً لخطورة المرحلة فالحرب لا تقتل بالرصاص وحده وإنما تفتح الأبواب أيضاً أمام الأوبئة والأمراض وسوء الخدمات الصحية وهو ما يجعل معركة الصحة جزءاً لا يتجزأ من معركة حماية الوطن
ومن الأخبار التي تستحق الوقوف عندها إعلان الوزارة إجازة المقترح الوطني الاستراتيجي لمكافحة الملاريا والدرن والإيدز بتمويل يتجاوز 139 مليون دولار بدعم من الصندوق العالمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وعدد من الوكالات الأممية فهذا التمويل لا يمثل مجرد أرقام في التقارير بل يمثل أملاً حقيقياً في توفير الأدوية المنقذة للحياة وتعزيز الخدمات الصحية في الولايات الأكثر تأثراً بالأزمات
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن المعركة الصحية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية فالأوطان لا تنتصر بالسلاح وحده وإنما تنتصر أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان وصون حياته وتوفير العلاج له ولهذا فإن أي جهد ينجح في استقطاب الدعم أو بناء الشراكات أو تعزيز قدرات النظام الصحي يعد جزءاً أصيلاً من معركة استعادة الدولة
واليوم يقف السودان أمام تحدٍ كبير يتمثل في إعادة إعمار
القطاع الصحي وتأهيل المستشفيات وتوفير الإمدادات الطبية ومكافحة الأوبئة التي تجد في ظروف النزوح والحرب بيئة خصبة للانتشار وهذه مهمة لا تستطيع وزارة الصحة وحدها إنجازها بل تتطلب تكاتف الدولة والمجتمع والشركاء الدوليين والمنظمات الإنسانية
وما يبعث على التفاؤل أن القطاع الصحي رغم الجراح ما زال صامداً الكوادر الطبية تواصل العمل في ظروف بالغة التعقيد والمؤسسات الصحية تواصل أداء واجبها رغم شح الإمكانات والدولة تمضي في البحث عن كل فرصة يمكن أن تسهم في تخفيف معاناة المواطنين وقد أحسن وزير الصحة حين أشاد بهذه الكوادر التي ظلت تقف في الصفوف الأمامية دفاعاً عن حياة الناس مؤكداً أن تعافي القطاع الصحي يبدأ من دعم الإنسان الذي يقدم الخدمة قبل المبنى الذي يحتضنها
ويبقى الرهان الحقي ليس في المؤتمرات ولا في الزيارات الخارجية وحدها وإنما في تحويل ما يتم الإعلان عنه إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الناس فالمواطن البسيط لا ينتظر البيانات بقدر ما ينتظر دواءً متوفراً ومستشفىً يعمل بكفاءة وخدمة صحية تحفظ له كرامته وحقه في الحياة
فاصلة
ومن هنا تكتسب كل خطوة نحو دعم القطاع الصحي أهمية مضاعفة لأن صحة المواطن ليست ملفاً خدمياً فحسب بل هي حق أصيل من حقوقه وأحد أهم مقومات الاستقرار والتنمية وحين تنجح الدولة في تأمين العلاج ومكافحة الأوبئة وتوفير الدواء لكل محتاج فإنها لا تحمي صحة الأفراد فقط بل تحمي مستقبل الوطن بأكمله
اللهم آمنا في أوطاننا





