مقالات

قصة الفداء… حين يكتمل التسليم

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

ليست قصة فداء إسماعيل عليه السلام مجرد حادثةٍ عابرة في تاريخ النبوة، ولا مشهدًا شعائريًا نستحضره عند الأضحية ثم نمضي، بل هي من أعظم القصص التي تكشف جوهر الإيمان حين يبلغ غايته، ومعنى العبودية حين تتجرد من كل تردد، وحقيقة البلاء حين يكون ميدانًا للرضا وطريقًا للرفعة، لا بابًا للضجر والخسران.
لقد كانت قصة الفداء بعضًا من سيرة رجلٍ عظيم المقام عند الله، هو إبراهيم الخليل عليه السلام؛ ذلك النبي الذي أثنى الله عليه في القرآن ثناءً عاطرًا، فقال عنه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال في مقامٍ تهتز له القلوب: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}. وما أعظمها من كلمة حين تأتي من الله الخالق الأعظم في حق عبدٍ من عباده؛ أن يشهد الله له بهذه المنزلة، وأن ينسبه إلى مقام الخُلّة، وهي من أصفى مراتب المحبة والقرب والاصطفاء. وهذه منزلة لا يبلغها إلا من صفا توحيده، وصدق تسليمه، وتجرد قلبه لله، حتى لم يبقَ في قلبه محبوبٌ يزاحم محبة الله، ولا أمرٌ يعلو على أمر الله.

ولم تكن عظمة إبراهيم عليه السلام في موقفٍ واحد، بل في سلسلةٍ كاملة من الابتلاءات التي خرج منها صادقًا أوابًا حنيفًا. فقد ابتُلي في قومه، وفي النار، وفي الهجرة، وفي الأهل والولد، وفي الأمر بذبح أحب الناس إليه، فكان في كل مقام عبدًا لله قبل كل شيء. ولذلك قال الله تعالى فيه: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}؛ أي وفّى ما أُمر به، ولم يقف مع حظ نفسه، ولا مع خوفه، ولا مع محبةٍ تزاحم أمر الله.

ومن عظمة مقامه أن الله جعل ذكره حيًا في الآخرين، فقال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ}، فما تزال الأمم المؤمنة تذكره، والحجاج يطوفون حول البيت الذي رفع قواعده، والمصلون يذكرونه في صلاتهم كل يوم في الصلاة الإبراهيمية، والأمة المحمدية تصلي على محمد وآل محمد كما صلت على إبراهيم وآل إبراهيم. وأي بقاءٍ أعظم من أن يبقى اسم العبد متصلًا بالعبادة، حاضرًا في أفواه المؤمنين، مقرونًا بالبركة والاصطفاء؟
لقد رُزق إبراهيم عليه السلام بالولد بعد طول انتظار، فجاءه الغلام نعمةً عزيزةً في عمرٍ يكون فيه الولد أشد التصاقًا بالقلب، وأعظم حضورًا في الرجاء. ثم لم يأتِ الابتلاء والولد رضيعٌ لا يعي، ولا طفلٌ بعيدٌ عن معنى الصحبة، بل جاء حين قال الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}؛ أي بلغ طور المرافقة والمعاونة والمشاركة، وصار لأبيه أنسًا ورفيقًا وامتدادًا منظورًا. وهنا تبلغ المحنة ذروتها؛ لأن القلب لا يُبتلى في ولدٍ وُجد فحسب، بل في ولدٍ انتُظر طويلًا، ثم شُوهد يكبر، ثم بدأ يشارك أباه السعي والحياة.

وكان هذا البلاء عظيمًا من وجوهٍ متراكبة؛ فقد جاء التكليف عبر رؤيا، لا عبر خطابٍ مباشرٍ مسموع، ومع ذلك علم إبراهيم عليه السلام أن رؤيا الأنبياء حق، فمضى إلى الامتثال بلا تردد. وكان البلاء متعلقًا بأعز محبوبٍ بشري لديه في ذلك الوقت، لا بشيءٍ من أطراف الحياة وهوامشها. ثم زادت المحنة شدةً أن الأمر لم يكن بفراق الابن فحسب، ولا بتسليمه إلى غيره، بل بأن يباشر إبراهيم عليه السلام الفعل بنفسه ويده، فيجمع في لحظةٍ واحدة بين رحمة الأب، وهيبة الأمر، وصدق العبودية. فأي امتحانٍ للقلب أعظم من أن يقف العبد بين أرقّ عاطفةٍ في النفس، وأعظم أمرٍ في الوجود: أمر الله؟
ثم قال إبراهيم عليه السلام لابنه: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}. وهنا تبدأ مدرسة الحوار النبوي في أرقّ صورها وأعظمها؛ فالأمر شديد، لكن الخطاب رقيق، والابتلاء عظيم، لكن التربية حاضرة، والطاعة كاملة، لكن الرحمة لا تغيب.

وفي قوله: {يَا بُنَيَّ} لطفٌ عجيب. لم يقل: يا إسماعيل، ولم يخاطبه بعبارة جافة، ولم يقدّم له الأمر في صورة قهرٍ عارٍ من الرحمة، بل ناداه بنداء الحنان: يا بنيّ. كأن القرآن يعلّمنا أن الطاعة لا تلغي الرحمة، وأن الحزم الإيماني لا يعني قسوة القلب، وأن الأبوة المؤمنة لا تفارق الرقة ولو في أشد المواقف. لقد كان إبراهيم عليه السلام مطيعًا لله، لكنه ظل أبًا رحيمًا؛ فالطاعة هنا لم تجفف القلب، وإنما رتّبت المحبة ترتيبها الصحيح: محبة الابن عظيمة، ولكن محبة الله أعظم.

ثم قال: {إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ}، ولم يقل: إني أريد، أو إني عزمت، أو إني رأيت رأيًا. لقد نسب الأمر إلى مصدره، ليعلم الابن أن المسألة ليست رغبة أب، ولا اجتهاد بشر، وإنما أمر الله. وفي هذا أدب عظيم في البلاغ والتربية؛ فالمربي الصادق لا يجعل نفسه مركز الطاعة، وإنما يدل من يربيهم على الله، ويجعل السلطان للأمر الإلهي لا لهواه ولا لشخصه.

ثم جاءت اللطيفة الكبرى في قوله: {فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}. لم يكن إبراهيم عليه السلام يستفتي ابنه في أصل الوحي، فالوحي لا يُطرح للتصويت، ولا يوقف على موافقة الناس، ولكنه أراد أن يشركه في مقام التسليم، وأن يهيئ قلبه، وأن يفتح له باب الأجر، وأن يجعل امتثاله امتثال وعيٍ وبصيرة لا مجرد انقيادٍ صامت. وقد أشار غير واحدٍ من المفسرين، ومنهم ابن كثير، إلى أن مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه لم تكن ترددًا في أمر الله، وإنما كانت تطييبًا لقلبه، وإظهارًا لصبره، ليكون امتثاله عن وعيٍ ورضا، لا مجرد انقيادٍ صامت.

وفي هذا درسٌ تربوي بالغ: أن التربية الإيمانية لا تقوم على القهر وحده، بل على بناء القلب، وإيقاظ البصيرة، وإشراك الابن في فهم معنى الطاعة. فإبراهيم عليه السلام لم يرد من إسماعيل أن يكون جسدًا يُقاد، بل قلبًا يُسلم.

وجاء جواب إسماعيل عليه السلام في غاية الأدب والفقه والتوحيد: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}.
فكما قال الأب في الرحمة: {يَا بُنَيَّ}، قال الابن في البر: {يَا أَبَتِ}. لم يقل في هذا الموقف المزلزل: خيرٌ أو لا بأس، ولم يواجه أباه بعبارةٍ جافة، ولا قالها كمن يتألم من قسوة أبيه، بل خاطبه بخطاب المحبة والبر. وكأن القرآن يعلّمنا أن الأدب مع الوالد لا يسقط في ساعة البلاء، وأن البر لا يظهر في الراحة وحدها، بل يظهر حين تضيق النفس، ويشتد الامتحان، وتبلغ القلوب أقصى ما تحتمل. وقد التقط سيد قطب رحمه الله هذه اللمحة في ظلاله، فبيّن أن إسماعيل عليه السلام لم يتلق الأمر في طاعة واستسلام فحسب، بل في رضا ويقين، وأن مشهد الذبح لم يذهب بأدبه ولا مودته، فقال: {يَا أَبَتِ}.

ثم لم يقل إسماعيل عليه السلام: نعم، أنا موافق. ولم يقل: افعل ما تراه. ولم يقل: إن كان لا بد فافعل. بل قال: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}. وهذه من أعظم لطائف القصة؛ فقد نقل الأمر كله من دائرة الرأي البشري إلى دائرة الأمر الإلهي. كأنه يقول لأبيه: لستَ صاحب القرار هنا، ولا أنا صاحب الإذن، وإنما نحن عبدان بين يدي الله؛ فافعل لا ما تشتهي، ولا ما ترى، ولا ما أوافق عليه أنا، ولكن ما أمرك الله به. ولهذا فسر الطبري قوله: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} بأنه امتثال لما يأمر به الرب، لا لما يريده الأب من تلقاء نفسه؛ فكأن إسماعيل عليه السلام ردّ الموقف كله إلى مصدره الأعلى: أمر الله.

وفي قوله: {مَا تُؤْمَرُ} سعةٌ في التسليم لا تقف عند صورة الذبح وحدها. فكأن لسان حال إسماعيل عليه السلام يقول: يا أبتِ، إن كان الذي أُمرتَ به هو ذبحي فافعل، وإن كان فيما تؤمر به ما هو أشد عليّ أو أقسى من الذبح فامضِ فيه أيضًا، ما دام أمرًا من الله. فلم يعلّق طاعته على مقدار الألم، ولا على حدود ما يتصوره، ولا على ما تحتمله نفسه، بل علّقها على أصل الأمر: ما تؤمر. وهذه هي العبودية الخالصة؛ أن لا يقول العبد لربه: أطيعك في هذا دون ذاك، أو أقبل ما خفّ وأتردد فيما ثقل، وإنما يقول: ما دام الأمر منك فليس لي إلا التسليم.

ثم زاد إسماعيل عليه السلام أدبه كمالًا فقال: {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}. لم يقل: ستجدني صابرًا بإطلاق، ولم يعتمد على قوة نفسه، ولم يزكِّ ثباته، بل ردّ الأمر إلى مشيئة الله. وهذه من دقائق الإيمان؛ فالصابر لا يصبر بنفسه، والثابت لا يثبت بقوته وحدها، وإنما يثبته الله. وكم من إنسانٍ ظن نفسه قادرًا، فلما جاء الامتحان ضعف، وكم من عبدٍ عرف فقره إلى الله فثبته الله فيما لا تثبت له الجبال.

وهنا تتجلى في كلمات قليلة مدرسة كاملة: يا بنيّ رحمة الأب، ويا أبتِ برّ الابن، وفانظر ماذا ترى تربية وحوار وبناء بصيرة، وافعل ما تؤمر تسليمٌ وتوحيدٌ وتجرد لله، وإن شاء الله افتقار إلى الله وعدم اغترار بالنفس.
ثم يبلغ المشهد ذروته في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}. كلمة {أَسْلَمَا} تختصر القصة كلها. أسلم الأب قلبه لله، وأسلم الابن نفسه لله، ولم يبقَ في المشهد إلا الطاعة الخالصة. فلم تكن القضية في حركة اليد، ولا في حدّ السكين، بل في إسلام القلب. ومن أجمل ما قيل في معنى هذه الآية ما نُقل عن ابن إسحاق: أن إبراهيم سلّم لما أُمر به، وأن الابن سلّم للصبر عليه حين علم أن الأمر من الله؛ فاجتمع في المشهد تسليم الفاعل وتسليم من وقع عليه البلاء، ومن هنا اكتمل معنى الإسلام لله.
وعند تلك اللحظة جاء النداء: {يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}. ولم يقل: قد ذبحت، لأنه لم يذبح، وإنما قال: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}؛ لأن المطلوب قد تحقق، والصدق قد ظهر، والامتحان قد بلغ غايته. لم يكن المقصود سفك الدم، وإنما المقصود صدق التسليم.

ولذلك جاء التعقيب الإلهي كاشفًا لعظمة الموقف: {إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ}؛ أي إن هذا هو الامتحان العظيم الواضح، الذي ظهر فيه صدق إبراهيم عليه السلام، وظهر فيه تسليم إسماعيل عليه السلام، وانكشف فيه مقام العبودية في أصفى صوره. فلم يكن البلاء في مجرد صورة الذبح، بل في اجتماع كل وجوه الامتحان: ولدٌ محبوبٌ منتظر، بلغ مع أبيه السعي، وأمرٌ شديد، ومباشرةٌ من الأب بنفسه، وتسليمٌ من الابن بغير اعتراض. فلما ظهر الصدق، تحقق المقصود من البلاء، فجاء الفداء رحمةً من الله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}، وبقي الدرس خالدًا في العالمين.

ومن هنا نفهم أن الله يبتلي عباده لا لأنه يريد إهلاكهم، ولكن ليكشف صدقهم، ويرفع مقامهم، ويعلّم الناس من خلالهم. فالبلاء في ميزان الإيمان ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون اصطفاءً وتربيةً ورفعًا للدرجة. وإبراهيم عليه السلام لم يخرج من الامتحان فاقدًا ابنه، بل خرج وقد بقي له ابنه، وبقيت له المنزلة، وبقيت له الذكرى، وبقي للأمة كلها درسٌ خالد في معنى التسليم.

ومن أعظم عبر القصة أن على كل واحدٍ منا أن يذبح ما دون الله في قلبه، لا ذبح الأجساد والدماء، بل ذبح التعلقات التي تزاحم حق الله. فمن كان المال في قلبه أعظم من أمر الله، فليذبح عبودية المال. ومن كان الولد عنده مقدمًا على طاعة الله، فليذبح عبودية الولد. ومن كان الجاه أو المنصب أو رضا الناس أو لذة النفس أغلى عنده من رضا الله، فليذبح هذا التعلق حتى يبقى القلب عبدًا لله وحده. فالعبرة ليست أن يقتل الإنسان محبوباته، وإنما أن يحرر قلبه من تأليهها، وأن يحبها في الله وتحت أمر الله، لا فوق أمر الله.

فالولد يُحب، والمال يُحب، والوطن يُحب، والنفس مفطورة على طلب السلامة، لكن شيئًا من ذلك لا يستحق الحب المطلق، ولا الطاعة المطلقة، ولا التسليم المطلق. تلك منزلة لا تكون إلا لله. وكل محبوبٍ صار حاكمًا على أمر الله فقد جاوز حدّه، وكل نعمةٍ صارت حجابًا عن المنعم فقد تحولت إلى فتنة. وقد نبه أهل التربية والقلوب إلى أن القلب لا يسلم حتى يكون الله أحب إليه من كل محبوب، وأعظم عنده من كل عظيم، وحتى تنزل الأشياء كلها منازلها: النعمة نعمة، والولد ولد، والمال مال، والجاه جاه، أما الرب فهو الله وحده، له الحب الأعلى، والطاعة المطلقة، والتسليم الكامل.

ولهذا كانت قصة الفداء درسًا في التوحيد العملي، لا في العاطفة وحدها. فليس التوحيد كلمة تقال باللسان ثم تبقى الأصنام الخفية في القلب، بل التوحيد أن يتحرر القلب من كل ما ينازع الله مكانته. وقد تكون أصنام القلوب أخطر من أصنام الحجارة؛ لأن صاحبها قد لا يراها. قد يكون صنمه مالًا، أو ولدًا، أو منصبًا، أو شهرة، أو خوفًا من الناس، أو تعلقًا بصورةٍ من صور الدنيا. وقصة الفداء تقول لكل قلب: لا تجعل شيئًا من ذلك ندًّا لله، ولا تجعل عطية الله حجابًا عن الله.

ومن لطائف القصة كذلك أن الطاعة فيها لم تكن طاعة فردية فقط، بل طاعة بيتٍ مؤمن: أبٌ مستسلم، وابنٌ صابر، وأسرةٌ تربت على الثقة بالله. فالإيمان ليس كلماتٍ تقال في أوقات الهدوء، وإنما بناء يظهر عند المحن. والبيت الذي يتربى على الله تظهر حقيقته حين يشتد البلاء، لأن الشدائد تكشف ما زرعته التربية في القلوب.

وفي القصة معنى دقيق في علاقة المحبة بالطاعة. فإبراهيم عليه السلام أحب ابنه حبًا فطريًا عظيمًا، لكن محبة الله كانت أعظم. وهذا لا يعني إلغاء الرحمة، ولا كراهية النعم، بل يعني ترتيب المحبة. فكل محبةٍ لا بد أن تبقى تحت سلطان محبة الله. فإذا صار الولد أو المال أو الجاه أو النفس أحب إلى الإنسان من أمر الله، اختل الميزان، وإذا بقيت هذه المحبوبات في موضعها الصحيح، صارت نعمةً لا فتنة، وقربةً لا حجابًا.

ولهذا ارتبطت الأضحية بهذه القصة العظيمة؛ فهي ليست مجرد لحمٍ يوزع، ولا عادةٍ اجتماعيةٍ تتكرر، وإنما تذكير سنوي بأن العبد لا يتقرب إلى الله بصورة العمل وحدها، بل بما في قلبه من تقوى وتسليم. ولذلك قال الله تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}. فالمقصود الأعظم ليس الدم، وإنما ما وراءه من صدق القصد، وطهارة النية، واستعداد القلب للطاعة.

ومن هنا يظهر الرابط العميق بين يوم عرفة ويوم النحر؛ فيوم عرفة يوم تسليم القلب، ويوم النحر يوم برهان هذا التسليم برمزية الذبح. ففي عرفة يقف العبد بين يدي ربه متجردًا، داعيًا، منيبًا، معلنًا فقره وافتقاره، وفي يوم النحر يترجم هذا التسليم إلى شعيرة ظاهرة، يذبح فيها أضحيته لا طلبًا للدم، ولكن إعلانًا رمزيًا أنه يذبح في قلبه كل حبٍّ ينازع محبة الله، وكل طاعةٍ تقدَّم على طاعة الله، وكل خضوعٍ لغير سلطان الله، وكل اتباعٍ للهوى أو الناس إذا خالف أمر الله، وكل توكلٍ على سببٍ ينسى مسبب الأسباب. فكأن الأضحية تقول للعبد كل عام: اذبح من قلبك ما سوى الله، لا بذبح النعم التي أباحها الله فحسب، ولكن بذبح التعلقات التي تستعبد القلب، حتى تبقى محبة الله فوق كل محبة، وطاعة الله فوق كل طاعة، والتسليم لله فوق كل رغبة وخوف ورجاء.
ومن أعمق معاني القصة أن الفرج قد يأتي عند تمام التسليم، لا عند بداية الطريق. فقد يمضي العبد في الامتحان حتى يظن أن السكين قد بلغت موضعها، وأن الأمر قد انتهى، ثم يأتي لطف الله من حيث لا يحتسب. ولذلك لا ينبغي للمؤمن أن يقيس رحمة الله ببدايات البلاء، فقد تكون الخاتمة فداءً، وفتحًا، ورفعةً، وذكرًا حسنًا.

وقصة الفداء تعلمنا كذلك أن الله لا يضيع من صدق معه. فإبراهيم عليه السلام صدق، وإسماعيل عليه السلام صدق، فجعل الله لهما لسان صدق في الآخرين، وبقيت القصة تتلى في القرآن، وتُستحضر في الحج، وتظهر آثارها في شعيرة الأضحية، وكأن الأمة كلها تُربى كل عام على هذا المعنى: أن الدين ليس دعوى، وأن الإيمان لا يكتمل حتى يكون أمر الله فوق هوى النفس ومحبوباتها.

ولم يكن حضور إبراهيم عليه السلام في الأمة المحمدية حضور ذكرٍ عابر، بل حضور أصلٍ عظيم في الدين والملة. فالقرآن يأمر باتباع ملة إبراهيم حنيفًا، والكعبة التي يتجه إليها المسلمون قام بناؤها على يديه ويد إسماعيل عليهما السلام، وشعائر الحج تمتلئ بآثار بيته وابتلائه وتسليمه. بل إن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان لإبراهيم عليه السلام عنده مقام ظاهر من الود والتعظيم؛ فهو من أصول نسبه الشريف، وإمام الحنفاء، وأبو الأنبياء من ذريته، وصاحب الملة التي أُمر خاتم النبيين باتباعها، وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم، وفي ذلك دلالة محبةٍ وتكريمٍ لهذا الاسم المبارك. وكأن هذا الاسم بقي ممتدًا من بيت الخليل إلى بيت خاتم النبيين، ليظل إبراهيم عليه السلام حاضرًا في قلب الرسالة الخاتمة، لا بوصفه ذكرى قديمة، بل بوصفه إمام التوحيد والتسليم.

وما أحوجنا اليوم إلى هذا الدرس؛ في زمنٍ كثرت فيه الشعارات وقلّ فيه التسليم، واتسعت فيه المعرفة وضعفت فيه الطاعة، وصار كثير من الناس يريدون من الدين ما يوافق رغباتهم، لا ما يهذب نفوسهم ويرفعهم إلى مراد الله. إن قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ترد الإنسان إلى الأصل: أن العبودية ليست أن نطيع حين يكون الأمر سهلًا، وإنما أن نثبت حين يمس الأمر أعز ما نملك.

وهكذا تبقى قصة الفداء من أعظم مدارس الإيمان: مدرسة في التسليم، ومدرسة في الصبر، ومدرسة في تربية الأبناء، ومدرسة في تقديم أمر الله على هوى النفس، ومدرسة في تحرير القلب من كل محبوبٍ يزاحم الله. لقد لمعت السكين في ظاهر المشهد، لكن الذي بقي في الحقيقة هو نور التسليم. ولم يكن الفداء نهاية قصةٍ قديمة، بل بداية معنى يتجدد في كل قلبٍ يختار الله على نفسه، والطاعة على هواه، واليقين على خوفه.

فما أعظمها من قصة، وما أعظمه من نبيٍّ كريم: إبراهيم الخليل، الذي جعله الله أمةً وحده، واتخذه خليلًا، وأبقى ذكره في الآخرين، وجعل من نسله النبوات، ومن بيته القبلة، ومن مقامه شعائر تتعبد بها الأمة، ومن اسمه ذكرًا حاضرًا في الصلاة وعلى ألسنة المؤمنين. أبٌ يقول في الرحمة: يا بنيّ، وابنٌ يقول في البر: يا أبتِ، وأبٌ يقول في التربية: فانظر ماذا ترى، وابنٌ يقول في التوحيد: افعل ما تؤمر. وبين هذه الكلمات القليلة تتجلى مدرسة كاملة في الإيمان، والأدب، والتربية، والتسليم. ومن فهم هذه القصة علم أن الله لا يريد من عبده أن يفقد قلبه، بل أن يطهره؛ ولا يريد منه أن يبغض نعمته، بل أن لا يجعل النعمة ندًّا له؛ ولا يريد منه الدم، بل التقوى؛ ولا يريد منه صورة الذبح، بل حقيقة الإسلام: {فَلَمَّا أَسْلَمَا}.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى