
يطل عيد الأضحى المبارك هذا العام على السودان بثقل الظرف وخفة الأمل يطل وأهله بين خيام النزوح وبيوت صمدت بين دموع الفراق ودعوات العودة بين صوت الرصاص في بعض الأماكن وتكبيرات الفرح في أماكن أخرى لكنه يطل ليذكرنا بحقيقة واحدة لا تهتز أن الإنسان حين يضحي لأجل مبدأ يصير أكبر من محنته.
في صباح العيد تخرج القلوب قبل الأقدام صفوف المصلين في المصليات المفتوحة والساحات الضيقة تبدو وكأنها تقول للعالم لن نُهزم الطفل الذي فقد لعبته في رحلة النزوح يمسك بيد أبيه ويبتسم والشيخ الذي لم يجد ثوباً جديداً يلبس ابتسامته كثوب التكبيرات ترتفع فتذيب المسافات فتشعر أن السودان كله يقف صفاً واحداً خلف معنى واحد الكرامة لا تُساوم.
لكن عيد الأضحى لم يكن يوماً عيد مظاهر جوهره في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في درس التخلي عما تحب لأجل ما هو أعظم واليوم هذا الدرس مكتوب بدماء الشهداء وعرق الصامدين الجندي على المتحرك الذي ترك أمه وحيدة في مسكنها الطبيب الذي لم يغادر مستشفاه رغم القصف المتطوع الذي يقسم خبزعلى أسرة لا يعرفها كلهم يكتبون نسخة معاصرة من قصة الفداء.
الأضحية هذا العام لها معنى آخر. ليست مجرد شعيرة تؤدى بل رسالة يرسلها من استطاع إلى من لم يستطع في الأحياء الآمنة تتحرك لجان المقاومة ولجان الأحياء والجمعيات الخيرية لتوزيع اللحوم على أسر الشهداء على جرحى الكرامة على الأسر التي فقدت معيلها في الحرب في مراكز الإيواء وهنا بهذه اللحمة المجتمعيه العظيمة تصل الأضحية إلى خيمة لا يعرف صاحبها متى نام شبعاناً آخر مرة. لحظة التوزيع هناك لا تشبه أي لحظة ففيها تنكسر قسوة الظرف أمام دفء التذكر
جمعيات البرمنظمات المجتمع المدني المبادرات الشبابية كلهم يعملون بصمت لا ينتظرون شكراً ويكتفون بدمعة أم قالت “جزاكم الله خيراً حسيت إنو لسه في ناس بتذكرنا”. هذا هو العيد الحقيقي أن يشعر المنكسر أنه ليس وحده حرب الكرامة كشفت معادن السودانيين حين غابت مؤسسات الدولة في مناطق كثيرة نهض المجتمع من داخله شباب يحملون المياه للمرابطين نساء يطبخن للجرحى معلمون يفتحون بيوتهم لتعليم أطفال النازحين تجار يقسمون بضاعتهم بلا ثمن صار التكافل سلوكاً يومياً لا موسمياً وصار العيد فرصة لتثبيت هذا السلوك وتحويله إلى قاعدة.
في بيت واحد يجلس صاحب البيت مع النازح الذي استضافه على صينية واحدة. لا يسأل أحدهما الآخر من أين أتى ولا إلى أين يذهب يكفي أن الجوع واحد والخوف واحد والأمل واحد. هذه هي اللحمة التي يريدها العيد وهذه هي الهوية التي لا تكسرها الحرب
وفي هذه الأيام المباركة تقف قلوبنا مع حجاج بيت الله الحرام وهم يلبون على صعيد عرفات يا حجاج بيت الله أنتم في ضيافة الرحمن اليوم وأنتم أقرب الناس إلى السماء. لا تنسوا السودان في دعائكم ادعوا لشهدائنا بالرحمة والمغفرة لجرحانا بالشفاء العاجل، لنازحينا بالعودة الآمنة إلى ديارهم ولبلادنا بالأمن والاستقرار والوحدة. ادعوا أن يجمع الله كلمة أهل السودان وأن يرفع عنهم البلاء وأن يرد كيد المعتدين. قولوا لله اللهم إن أهل السودان ضحوا بأغلى ما يملكون لأجل كرامتهم فلا تكلهم إلى أنفسهم ولا تتركهم لظلم ظالم دعاؤكم في هذا الموقف العظيم سلاح لا يرد ودمعة منكم في عرفات قد تكون سبباً في فرج أمة بأكملها.
فاصلة
عيد الأضحى المبارك في زمن حرب الكرامة ليس مجرد مناسبة دينية هو إعلان أن الشعب الذي قدم أبناءه فداءً لأرضه لن يفرط في قيمه كما ضحى إبراهيم بابنه طاعة لله ضحى السودانيون بأغلى ما يملكون دفاعاً عن عرضهم وأرضهم وكما كان الفداء بالكبش كان الفداء اليوم بصمود مجتمع لم ينكسر رغم الجرح فلنجعل من هذا العيد بداية جديدة بداية لمصالحة مع النفس ومع الجار ومع الوطن. بداية لنقول ما دامت قلوبنا عامرة بالتضحية فالسودان بخير
كل عام وأنتم بخير. كل عام وأرواح الشهداء في عليين وكل عام وجرحى الكرامة يعودون لأهلهم سالمين وكل عام والسودان شامخ بأهله متماسك بمجتمعه مرفوع الرأس بكرامته
اللهم أمنا في اوطاننا





