السودان: انتصارات الميدان وترسيخ العمران… مساران متلازمان
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

تستحق الانتصارات العسكرية المتوالية التي حققتها القوات المسلحة والقوات النظامية والقوى الوطنية المساندة لها أصدق التهاني وأسمى عبارات التقدير؛ فقد جاءت ثمرة تضحيات جسيمة، وصبر طويل، وبطولات نادرة، وجهود عسكرية وشعبية ضخمة، جسدت التحام الشعب بجيشه في معركة الدفاع عن الأرض والدولة والسيادة والكرامة الوطنية.
وما تحقق لم يكن نصرًا عسكريًا مجردًا، بل ثمرة إرادة وطنية جامعة، امتزجت فيها دماء الشهداء بجهد المقاتلين وصبر المواطنين، ورفد فيها الشعب جيشه بالرجال والمال والغذاء والدعاء والإسناد المعنوي، وأسهم ذلك في استعادة مساحات ومواقع ومؤسسات بالغة الأهمية، وأثبت السودانيون أن وطنهم، مهما اشتدت عليه المحن، قادر على النهوض والمقاومة واستعادة زمام المبادرة.
غير أن إصلاح الدولة والاقتصاد لا ينبغي أن ينتظر اكتمال الانتصارات العسكرية، كأنه مهمة لاحقة تبدأ بعد إسكات السلاح، بل يجب أن يسير معها متزامنًا ومتوازيًا؛ لأنه جزء أصيل من صناعة النصر نفسه، وتسريعه، وترسيخه، واستدامته، وحمايته من الانتكاس. فالجبهة العسكرية وجبهة العمران متلازمتان؛ إذ يحتاج الميدان إلى اقتصاد يسنده، وإنتاج يوفر احتياجاته، ومؤسسات تضبط الموارد، وإدارة تصون المال العام، وشعب يلمس أثر تضحياته في الأمن والخدمات والمعاش.
والسودان ليس فقيرًا في موارده؛ فهو يملك الأرض والمياه والثروة الحيوانية والمعادن والموقع الجغرافي والطاقات البشرية، لكن هذه الموارد لم تتحول إلى قوة اقتصادية تتناسب مع حجمها. فقد ظل الخلل كامنًا في سوء الإدارة، واضطراب السياسات، وضعف المؤسسات، وتعدد الرسوم والجبايات، وغياب الشفافية، وتسرب الذهب والصادرات إلى القنوات غير الرسمية، إلى جانب اختلالات مؤسسية تهيئ منافذ الفساد والمحسوبية، بصرف النظر عن عدد الوقائع التي تُكتشف وتثبت.
فالفساد لا يُقاس بعدد القضايا المكتشفة وحدها؛ إذ قد يكون أخطره كامنًا في بيئة كلية تسمح بتولد ممارسات لا حصر لها، لا تُرصد أو تُكشف أصلًا. ومن ثم فإن عدم تنزيل حزمة الإصلاح التي تسد منافذه وتمنعه من المنبع يمثل في ذاته أحد أخطر أوجه الاختلال، وإن لم تضبط وقائع بعينها أو تمتلئ بها سجلات المحاكم.
كما أن تدهور الجنيه ليس أزمة نقدية منفصلة، بل نتيجة لضعف الإنتاج، وتمويل العجز بطباعة النقود، وتراجع الصادرات، واختلال الموازنة، وتعدد أسعار الصرف، وتسرب النقد الأجنبي، وفقدان الثقة. وقد أتاح اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية بيئة خصبة للمضاربة والتهريب والامتيازات غير العادلة، وأضعف قدرة الدولة على استقطاب حصائل الصادر وإدارة مواردها النقدية.
ولا تختلف أزمة الزراعة عن ذلك؛ فملايين الأفدنة الصالحة لا تنتج بذاتها ما لم تتوافر لها منظومة متكاملة. وقد ظل المزارع يواجه ضعف التمويل، وتدهور الري والطرق والطاقة، وغياب التأمين والتخزين والتصنيع، واضطراب التسويق، وسيطرة الوسطاء، وتقلب السياسات، بينما تُصدر محاصيل كثيرة خامًا بأدنى العوائد أو تتعرض للفقد بعد الحصاد.
وينطبق الأمر نفسه على الثروة الحيوانية؛ فالأعداد الكبيرة لا تتحول تلقائيًا إلى عائد اقتصادي ما دامت قواعد البيانات ناقصة، والخدمات البيطرية والمحاجر والمسالخ والتبريد والتصنيع محدودة، واللحوم والجلود والأعلاف لا تدخل في سلاسل قيمة متكاملة، فتظل البلاد تصدر كثيرًا من مواردها الأولية بأقل مما يمكن أن تحققه بعد التصنيع.
أما الرقمنة والذكاء الاصطناعي، فعلى أهميتهما، فلا تكفي فيهما الدورات التدريبية وإعلان الاستراتيجيات ما لم يسبقهما إصلاح الإجراءات وتوحيد البيانات وربط المؤسسات. فرقمنة التعقيد والاختلال من غير إصلاحهما ليست تحولًا حقيقيًا، وإنما نقل للمشكلة من الورق إلى الشاشة، وربما تسريع لها بدلًا من معالجتها.
ولا يمكن معالجة هذه الاختلالات منفصلة أو متتابعة؛ لأن كل واحد منها يغذي الآخر. فلا إصلاح نقدي مستدام بلا إنتاج، ولا إنتاج بلا طاقة وتمويل وبنية تحتية، ولا تتوافر الطاقة والتمويل والبنية التحتية بالمستوى المطلوب من غير استثمار مستدام، ولا يقوم استثمار مستدام من غير تحرير منضبط للاقتصاد وسعر الصرف، وأمن راسخ، وسيادة قانون، وقضاء فاعل، ومكافحة حقيقية للفساد عبر أنظمة ترسخ الشفافية والرقابة والمحاسبة، وتبسط الإجراءات وتوضحها.
ولذلك لا بد من تنزيل حزمة إصلاح كلية شاملة ومتوازية بالتزامن مع العمليات العسكرية، وفق أولويات مرحلية محسوبة، من غير تفكيكها أو تأجيل أصولها. وتقوم هذه الحزمة على إرساء الأمن وسيادة القانون، وبناء قضاء فاعل، وتوفير كل ما ييسر الإجراءات ويسرعها ويرقمنها، وربط النيابات والشرطة والمحاكم بنظام إلكتروني موحد يضمن انسياب المعلومات، ويقلل التعقيد والتأخير، ويعزز الشفافية والمتابعة والمحاسبة.
وتشمل كذلك إصلاح الإدارة العامة، وضبط الإنفاق والسيولة، واستقلال البنك المركزي، وربط الإصدار النقدي بالإنتاج الحقيقي، وتحرير الاقتصاد وسعر الصرف وفق العرض والطلب عبر منصة مركزية شفافة. فليس مجديًا تثبيت سعر إداري للعملة أو الاكتفاء بالملاحقات الأمنية للسوق الموازية، بل ينبغي سحب البساط من تحتها بإزالة أسباب وجودها، وإخلاء السوق لسوق معلنة ومنظمة تعمل في النور بدلًا من سوق خفية تعمل في الظلام، مع استقطاب حصائل الصادر، وزيادة موارد النقد الأجنبي.
ومتى نُزِّلت حزمة الإصلاح الكلي على نحو متكامل ومتوازٍ، انعكس أثرها على سائر القطاعات؛ فتتراجع الرسوم والجبايات المعوقة، وتتوحد الإجراءات، وتتهيأ بيئة الاستثمار والتمويل، وتتسع القدرة على تأهيل الري والطرق والطاقة، وتطوير التخزين والتصنيع والتسويق، وربط المنتج بالأسواق، والنهوض بالثروة الحيوانية عبر الخدمات البيطرية والمحاجر والمسالخ وسلاسل التبريد وصناعات اللحوم والجلود والأعلاف، فتتحول الموارد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
كما يتيح الإصلاح المؤسسي والرقمي بناء قواعد بيانات قومية دقيقة للأراضي والمنتجين والقطيع والتعدين والصادرات والإيرادات، وربط الوزارات والولايات بمنصات موحدة، واستخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي في توجيه التمويل، وتتبع الإنتاج والصادر، وضبط التهريب، وتحصيل الإيرادات، ومراقبة الأداء، وكشف مواطن الخلل والفساد قبل استفحالها. فهذه جميعًا ليست بدائل عن حزمة الإصلاح الكلي ولا شروطًا مستقلة عنها، وإنما نتائج عملية تتولد من حسن تنزيلها واستمرارها.
إن أفضل وفاء لأرواح الشهداء وتضحيات المقاتلين وصبر المواطنين ألا ننتظر نهاية المعركة حتى نبدأ الإصلاح، بل أن نجعل البناء والإنتاج والانضباط المؤسسي جبهة موازية للميدان، تسنده وتسرّع انتصاراته وتحفظ مكتسباته. فالنصر العسكري والإصلاح الشامل ليسا مرحلتين متعاقبتين، وإنما مساران متلازمان، يقوي كل منهما الآخر، وبهما معًا ينتقل السودان من استعادة الأرض إلى ترسيخ الدولة، ومن صد العدوان إلى استدامة الأمن والعمران والازدهار.





