مقالات

عبداللطيف البوني يكتب | حا طب ليل | ( الليلة يستقبلني اهلي) (2 – 5) الفينيق وعصافير الخريف

( ١ )
المجتمعات الزراعية مهما كانت نكبتها تتعافى بسرعة ..لان عنصر الإنتاج الأول فيها الأرض …فطالما ان الارض موجودة لم يتبقى الا الماء فبمجرد نزول الأمطار تكون دورة حياة جديدة قد بدأت… فما على المزارع الا ان يبذر البذرة وينتظر المطر وهكذا الي وقت الحصاد …هذا في مناطق الزراعة المطرية ..أما مناطق الزراعة المروية فالمطر أيضا يلعب دورا حاسما َلكنه غير مباشر… إذ ياتي الماء عبر

القنوات القادمة من الخزان… والخزان نفسه يحول الماء من النهر … والنهر يتكون من ماء أمطار هطلت في مكان آخر …لذلك يصبح المطر هو الفاصل بين الخصب والجفاف وليس القنوات …وبحمد لله كانت معدلات الأمطار عالية في سنوات الحرب هذة مما ساعد على الزراعة في القطاعين المطري والمروي … وهذا هو سبب بقاء الدولة السودانية في عضمها ..فلو كان السودان بلدا صناعيا أو معتمدا على التجارة أو السياحة مع هذة الحرب لراح فيها ..فالحمد لله على نعمة الزراعة مهما كانت متخلفة وهذة قصة أخرى …

( ٢ )
الناس في الجزيرة زرعوا الموسمين الصيفي والشتوي …وقد كان معدل الأمطار في الصيفي عاليا لدرجة ان الري عبر القنوات كان هو التكميلي ..كما أن معدل الأمطار العالي وفر ماء الخزان للموسم الشتوي ..والحمد على نعمة المطر الذي حفظ الله به السودان….
وجدت الناس في قريتنا قد استعادوا لياقتهم النفسية والمادية … لأنها مرتبطة بالزراعة …كانت الإنتاجية متدنية لعدم توفر عناصر الإنتاج من مخصبات ومبيدات مع عدم وجود التقاوي المحسنة… ومع ذلك زرعوا وحصدوا …ليسوا كلهم مزارعين .

ولكن الزراعة قاطرة اقتصاد إذ حركت قطاع النقل وقطاع الخدمات وقطاع التجارة …فالاسواق ادزهرت بصورة غير عادية بعد الحرب …سوق قريتنا الذي كان ينتهي عند التاسعة صباحا أصبح يعمل طوال اليوم والي ساعات المساء ..تاتيه البضائع والمحصولات والانعام من كل الانحاء …سوق مسيد ود عيسى وهو سوق منطقة .. تضاعف حجمه عدة مرات ..وهنا يظهر خروج الخرطوم من المعادلة الاقتصادية …أما أسواق الحصاحيصا ومدني فلا مقارنة بين وضعها

الحالي ووضعها أثناء الحرب بل وقبلها … مدن َ ولاية نهر النيل تحولت إلى قلاع صناعية بالإضافة لنشاطها التجاري المزدهر اصلا لأن الحرب المباشرة لم تصلها …هذا التموضع التجاري والصناعي الجديد يمكن اعتباره من ايجابيات الحرب لان الخرطوم بوضعها القديم كانت محتاجة الي تنفيس …لقد كان شحمها ورم …كان الواحد من منطقة شمال الجزيرة اذا اراد شاحن موبايل لا يجده الا في الخرطوم …اليوم الموبايل الجلاكسي والهونر معروض في سوق القرية …فوجئت بوجود محل لمعروضات الخندقاوي في المنطقة ووجود مصنع للصابون السائل …نتمنى من القلب عودة الخرطوم واسواق الخرطوم لكن للتجارة النوعية …ليس (كرش فيل) كما كانت …

(٣)
ما ذكرناه أعلاه من استئناف للزراعة وازدهار للتجارة لايعني ان الناس يعيشون في ورفاهية وبلهينة من العيش …الأسعار مرتفعة والغلاء طاحن …وبعض الأسر عايشة على الكفاف…. ولكن كل هذا مرتبط بالسياسات الاقتصادية الكلية للبلاد ..مرتبطة بسعر الصرف …والدولار الجمركي والجبايات الكثيرة وصفافير الطريق والفساد (المصلح ) ..فإذا لم تتخذ سياسات مالية رشيدة لن تتحسن الأوضاع ولن ينعم الناس بالراحة …لكن هنا القصة نسبية فانا اتحدث عن منطقة عاشت هذة الحرب المدمرة منذ يومها الأول….

ولحقها من الخراب والدمار ما يفوق الوصف …والآن رغم ان الحرب لم تنتهي ولم يمضي الا عام وبضعة أشهر من تحريرها بواسطة قوات الشعب المسلحة من الدعامة …تعود وتزدهر مثل طائر الفينيق الذي نفض جناحيه من رماد النار التي حرقته ليحلق عاليا …ما هذا الا معجزة في تقديري ..
(٤)
لقد غادرت قريتي بعد تحريرها بعدة اسابيع تحديدا في نهاية فبراير ٢٠٢٤ ..خرجت منها لعلاج العين والظهر وحاجات تانية حامياني…فقد كانت المنطقة زيرو خدمات طبية ولعامين متتاليين … خرجت منها بشنطة أقرب للبقجة ليست لي بل تركها الدعامة في منزلي بعد شفشفته. … وفي بورتسودان اشتريت جلابية للغيار ومركوب وصديري …

الحمد لله على نعمة الأبناء في الخارج وعاش بنكك الذي سهل المهمة … وذهبت لمستشفى مكة للعيون حيث لقيت المؤاساة قبل العلاج ..ومن بورتسودان الي السعودية ثم مصر واعود اليوم لاجد القرية والمنطقة بهذة الصورة بالله عليكم دايرني اعمل شنو ؟ غير اقبل ترابها …وابكي واغني

مع وردي والحلنقي في عصافير الخريف (ورجعت خليت الدموع يرتاحوا مني و ينزلوا) … واحمد الله كثيرا على أنها عادت الي حيويتها بأحسن مما كانت ..كل هذا بدون اي مساعدة من الدولة …كل هذا بقوة ودينماكية هذا المجتمع الحيوي …فكيف كان سيكون الحال لو عندنا دولة راشدة وحكومة ذات فاعلية ..نواصل بإذن الله

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى