مقالات

الدولة لا تستقر بالشعارات… بل بالحوكمة

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

إذا كان الخطر الأكبر على الدول يبدأ حين تعجز عن قراءة مؤشرات الانهيار قبل انفجارها، فإن طريق النجاة يبدأ حين تمتلك الدولة نظامًا رشيدًا لإدارة مؤسساتها ومواردها وأزماتها. فالدولة لا تستقر بمجرد وجود سلطة، ولا برفع الشعارات، ولا بإصدار قرارات متفرقة، وإنما تستقر حين تقوم على حوكمة شاملة تجعل القانون فوق الجميع، والمؤسسات أقوى من الأفراد، والشفافية أصلًا في إدارة المال العام، والمساءلة قاعدة لا استثناء، والتخطيط سابقًا للأزمات لا لاحقًا لها.

ومن هنا فإن الحديث عن استقرار السودان لا ينبغي أن يظل محصورًا في الأمن والسياسة والمصالحات والاتفاقات، على أهميتها، بل ينبغي أن يتجه إلى السؤال الأعمق: كيف تُدار الدولة؟ وكيف تُدار مواردها؟ وكيف تُتخذ قراراتها؟ وكيف تُراقب مؤسساتها؟ وكيف يشعر المواطن في كل ولاية ومدينة وقرية أن الدولة حاضرة وعادلة وقادرة، لا غائبة ولا مترددة ولا أسيرة للفوضى ومراكز النفوذ؟

إن الحوكمة الشاملة ليست لفظًا تزيينيًا في الخطابات والتقارير، بل هي جوهر بناء الدولة الحديثة. وهي تعني إدارة الدولة بمنظومة واضحة من القانون، والشفافية، والمساءلة، والكفاءة المؤسسية، والمشاركة المنظمة، والعدالة في توزيع الموارد، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المخاطر. فإذا حضرت هذه العناصر ارتفعت فرص الاستقرار، وإذا غابت تراجعت الدولة، وتكاثرت الأزمات، ووجدت الفوضى طريقها إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع والأمن.

فالاستقرار الوطني ليس ثمرة الحظ ولا نتيجة الرغبات الطيبة، وإنما هو حصيلة مباشرة لطريقة إدارة الدولة. حين تكون المؤسسات قوية، والقوانين واضحة، والقرارات شفافة، والموارد مصروفة بعدل، يميل المجتمع إلى الثقة والهدوء والبناء. أما حين تضعف المؤسسات، وتغيب المساءلة، ويتحول القانون إلى أداة انتقائية، وتختل العدالة في توزيع الخدمات والفرص، فإن الثقة تتآكل، والمظالم تتراكم، والأزمات الصغيرة تتحول مع الزمن إلى حرائق كبرى.

ولذلك فإن السودان لا يحتاج إلى معالجات جزئية هنا وهناك، بل إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء طريقة الحكم والإدارة. فالأزمة السودانية ليست أزمة حكومة بعينها، ولا مورد واحد، ولا قانون منفرد، وإنما هي أزمة نظام إدارة عام تراكمت فيه الاختلالات حتى عجزت الدولة، في كثير من الأحيان، عن تحويل مواردها الهائلة إلى نهضة، وقراراتها إلى تنفيذ، وشعاراتها إلى خدمات يراها المواطن في معاشه وأمنه وطريقه ومدرسته ومشفاه وسوقه.

ومن أخطر ما أصاب الدولة السودانية أنها ظلت كثيرًا ما تعمل بمنطق رد الفعل لا بمنطق التخطيط؛ فإذا انهارت خدمة بدأ الحديث عنها، وإذا اشتعل نزاع تشكلت له لجنة، وإذا تفاقمت أزمة اقتصادية طُرحت حلول إسعافية، وإذا انفلت وضع أمني صدر بيان. غير أن الدول الراشدة لا تُدار بهذا المنطق، بل تقيس المؤشرات، وتجمع المعلومات، وتبني قواعد البيانات، وتربط الأجهزة، وتراجع الأداء، وتحدد المسؤوليات، وتضع نظم الإنذار المبكر، ثم تتدخل قبل أن يصبح الخطر واقعًا مفروضًا.

وتبدأ الحوكمة الشاملة بسيادة القانون. فلا دولة مستقرة بغير قانون واحد يسري على الجميع، ولا سلام دائم مع تعدد مراكز القوة، ولا اقتصاد منتج إذا كان المواطن أو المستثمر لا يعرف ما له وما عليه، ولا عدالة إذا كان الضعيف وحده يخاف القانون بينما ينجو القوي بالنفوذ أو السلاح أو العلاقة. فالقانون ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو العمود الفقري للدولة؛ فإذا انكسر هذا العمود انحنت الدولة كلها.

ثم تأتي الشفافية والمساءلة؛ فالدولة التي لا يعرف الناس كيف تُدار مواردها، ولا أين تذهب إيراداتها، ولا من المسؤول عن فشل خدماتها، ولا كيف تُمنح فرصها وعقودها وامتيازاتها، تفتح الباب واسعًا للفساد والشكوك وفقدان الثقة. أما حين تكون البيانات متاحة، والقرارات معلنة، والعقود قابلة للمراجعة، والمال العام تحت الرقابة، فإن الثقة تبدأ في العودة، ويصبح الإصلاح ممكنًا لا مجرد أمنية.

وتأتي الكفاءة المؤسسية بوصفها الشرط العملي لكل إصلاح. فكثير من الدول لا تفشل لأنها لا تملك الموارد، بل لأنها لا تملك مؤسسات قادرة على إدارتها. والسودان من أوضح أمثلة هذا الخلل؛ بلد واسع، غني بالأرض والمياه والمعادن والثروة الحيوانية والموقع والإنسان، لكنه ظل يعاني الفقر والاضطراب لا لقلة الإمكانات، بل لضعف تحويل الإمكانات إلى خطط، والخطط إلى برامج، والبرامج إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتائج قابلة للقياس.

ولا تنفصل الحوكمة عن العدالة في توزيع الموارد والخدمات. فحين يشعر إقليم أنه منسي، أو جماعة أنها مهمشة، أو مواطن أن نصيبه من الدولة لا يصل إليه، يتحول الشعور بالظلم إلى غضب، والغضب إلى احتجاج، والاحتجاج إلى قابلية للصراع إذا وجدت أدواته ودعاته ومغذياته. ولذلك فإن التنمية المتوازنة ليست عملًا خيريًا من المركز تجاه الأطراف، بل شرط من شروط بقاء الدولة موحدة ومستقرة.

كما أن المشاركة السياسية ليست ترفًا، بل وسيلة لتوسيع الشرعية، وامتصاص الاحتقان، وإدخال الخلاف داخل المؤسسات بدل تركه في الشارع أو السلاح. والمشاركة المطلوبة هنا ليست فوضى سياسية ولا محاصصة معطلة، بل مشاركة منظمة تحت سقف الدستور والقانون والمصلحة الوطنية، بحيث يشعر الناس أن لهم صوتًا، وأن الطريق إلى التغيير يمر عبر المؤسسات لا عبر كسرها.

ومن أهم ركائز الحوكمة كذلك التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر. فالدولة التي لا تخطط تعيش تحت رحمة المفاجآت، والدولة التي لا تدير المخاطر تنتقل من أزمة إلى أخرى. وليس التخطيط وثائق جميلة توضع في الأدراج، بل نظام يحدد الأولويات، والموارد، والمسؤوليات، والجداول الزمنية، ومؤشرات الأداء، وآليات المتابعة والمحاسبة. فكل مشروع بلا مؤشر قياس قابل لأن يتحول إلى شعار، وكل قرار بلا جهة مسؤولة قابل لأن يضيع في المكاتب، وكل إصلاح بلا زمن محدد قابل لأن يؤجل إلى ما لا نهاية.

وفي هذا الموضع تتضح العلاقة بين الحوكمة الشاملة ومؤشرات الخطر التي تحدثنا عنها من قبل. فالحرب لا تبدأ بالرصاصة الأولى، بل تبدأ حين يغيب القانون، وتتراجع العدالة، وتضعف المؤسسات، وتنهار الثقة، وينتشر السلاح، وتتراكم المظالم، ويتدهور الاقتصاد، وتغيب الرؤية. فإذا كانت قراءة مؤشرات الخطر هي عين الدولة التي ترى بها مقدمات الانهيار، فإن الحوكمة الشاملة هي يد الدولة التي تعالج بها تلك المقدمات قبل أن تتحول إلى كارثة.

ولذلك فإن علاج السودان لا يكون فقط بإطفاء نيران الحرب القائمة، وإنما ببناء النظام الذي يمنع إنتاج الحروب مرة أخرى. فما الفائدة من إيقاف صراع اليوم إذا بقيت أسبابه العميقة حية في جسد الدولة؟ وما جدوى الاتفاقات إذا لم تُبنَ مؤسسات عادلة؟ وما قيمة الشعارات الوطنية إذا بقي السلاح خارج يد الدولة، والاقتصاد مضطربًا، والعدالة بطيئة، والخدمات ضعيفة، والموارد غير محكومة، والقرارات غير شفافة؟

إن المطلوب ليس إصلاحًا إداريًا محدودًا، بل مشروع وطني شامل للحوكمة، يبدأ من قمة الدولة وينزل إلى أدنى وحدة خدمية؛ مشروع يجعل لكل مؤسسة اختصاصًا واضحًا، ولكل مسؤول واجبًا محددًا، ولكل خدمة معيارًا يقاس، ولكل مال عام مسارًا معلومًا، ولكل قرار أثرًا يراجع، ولكل أزمة غرفة إنذار وتحليل واستجابة. ولا ينجح هذا بغير رقمنة متكاملة تربط الدولة بالدولة، وتمنع التلاعب، وتكشف مواطن الخلل، وتجعل المواطن قادرًا على الوصول إلى حقه بلا إذلال ولا وساطة ولا تعطيل.

فالرقمنة ليست ترفًا تقنيًا، بل أداة من أدوات الحوكمة. فالدولة التي لا تملك بيانات دقيقة عن سكانها، وأراضيها، ومواردها، وضرائبها، وجماركها، وأسواقها، وخدماتها، وقضاياها، ومشروعاتها، لا تستطيع أن تخطط بدقة، ولا أن تحاسب بعدل، ولا أن تمنع الفساد بكفاءة. أما الدولة الرقمية الشفافة فتستطيع أن ترى نفسها، وتعرف أين يذهب المال، وأين تتعطل الخدمة، وأين يتراكم الخطر، وأين ينبغي أن تتدخل.

ويجب أن يرتبط ذلك بإصلاح اقتصادي جاد، لأن الحوكمة لا تكتمل في بيئة اقتصادية مضطربة. فلا استقرار عميق مع سوق مشوه، ولا إنتاج واسع مع سعر صرف غامض، ولا استثمار حقيقي مع تعدد القيود والجبايات والقرارات المتناقضة. ولذلك فإن تحرير الاقتصاد تحريرًا منضبطًا، وتوحيد سعر الصرف عبر منصة شفافة، وتسهيل التجارة والاستثمار، وتوحيد الجبايات، وربط ذلك برقمنة شاملة ورقابة قانونية عادلة، ليس شأنًا اقتصاديًا منعزلًا، بل جزء من بناء الاستقرار الوطني نفسه.

إن السودان لا ينهض بكثرة اللجان، ولا بتبدل الوجوه، ولا بالخطابات الحسنة، وإنما ينهض حين يغيّر طريقة إدارة الدولة. فالحوكمة الشاملة هي التي تجعل الدولة قادرة على تحويل مواردها إلى إنتاج، وإنتاجها إلى إيرادات، وإيراداتها إلى خدمات، وخدماتها إلى ثقة، وثقتها إلى استقرار، واستقرارها إلى نهضة.

ولا يعني ذلك أن الحوكمة وصفة سهلة أو إجراء سريع؛ فهي مشروع شاق يحتاج إلى إرادة سياسية، وكفاءة فنية، وشجاعة في مواجهة المصالح الضيقة، وصبر في البناء، ووضوح في الرؤية. لكنها ليست خيارًا زائدًا، بل شرط بقاء. فالدول التي لا تحكم نفسها بمنظومة قانون وشفافية ومساءلة وكفاءة وعدالة وتخطيط، تظل قابلة لإعادة إنتاج الفشل، ولو هدأت فيها المعارك مؤقتًا.

إن استقرار السودان لن يتحقق فقط بأن تتوقف البنادق، بل بأن تُقام الدولة التي تمنع عودة البنادق إلى الكلام. ولن يتحقق فقط بأن تُوقّع الاتفاقات، بل بأن تُبنى المؤسسات التي تحرس الاتفاقات. ولن يتحقق فقط بأن تُرفع شعارات السلام، بل بأن يشعر المواطن أن القانون يحميه، والخدمة تصل إليه، والفرصة لا تُحجب عنه، والمال العام لا يُنهب أمام عينيه، والدولة لا تراه رقمًا هامشيًا، بل صاحب حق وكرامة ومواطنة.

ومن هنا فإن الحوكمة الشاملة ليست بابًا من أبواب الرفاه الإداري، بل المدخل الضروري لإعادة بناء السودان. فإذا كانت الدولة التي لا تقرأ مؤشرات الخطر تمشي نحو الهاوية، فإن الدولة التي لا تطبق الحوكمة تعجز عن تغيير هذا المسار. أما الدولة التي تقرأ الخطر، وتحكم مؤسساتها، وتدير مواردها بعدل، وتخطط لمستقبلها بوعي، فهي وحدها القادرة على الانتقال من دوامة الأزمات إلى أفق الاستقرار والسلام والتنمية.

فلا استقرار بلا حوكمة، ولا حوكمة بلا قانون، ولا قانون بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا شفافية ومساءلة، ولا نهضة بلا دولة تعرف نفسها، وتقرأ واقعها، وتدير متغيراتها، وتمنع الخطر قبل أن يصير حربًا، والفشل قبل أن يصير قدرًا.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى