إشتياق الكناني تكتب: حين يركض الجنود نحو قائدهم…

لا أدري لماذا ظل هذا المشهد يلاحقني منذ الأمس.لحظة هبوط الطائرة الحربية في أم سيالة، ثم ركض الجنود نحو قائدهم الفريق أول عبد الفتاح البرهان. لم يكن مشهدًا عسكريًا بحتًا، ولم أقرأه على أنه مجرد استقبال لقائد وصل إلى الخطوط الأمامية، بل رأيته بعين أخرى… عين تبحث عن المعنى الذي تخبئه الصور أحيانًا أكثر مما تخبئه الكلمات.
في الحروب، ليست كل الرسائل تُكتب في البيانات العسكرية، فبعضها يولد في لحظة عفوية. وركض الجنود نحو قائدهم كان بالنسبة لي واحدة من تلك الرسائل. لم يكن أحد يطلب منهم أن يركضوا، ولم يكن المشهد يحتاج إلى ترتيب مسبق، ولذلك بدا صادقًا إلى حد كبير.
ربما لهذا بقي في ذاكرتي.
اعتدنا أن نرى البرهان حاضرًا في مواقع العمليات، وهذه ليست الزيارة الأولى التي يذهب فيها إلى جنوده، لكن هذه المرة كان للمشهد طعم مختلف. جاءت الزيارة بعد انتصارات متتالية في سهول كردفان، وكان إلى جانبه قادة مثل مني أركو مناوي وأبو عاقلة كيكل، في صورة حملت أكثر من رسالة، وفي توقيت يحتاج فيه الناس إلى ما يعيد إليهم شيئًا من الثقة.
الحرب ليست سلاحًا فقط، بل هي أيضًا معنويات. والجندي الذي يشعر بأن قائده يقف معه في الميدان، لا يقرأ الزيارة كما يقرأها الناس عبر الشاشات. يراها رسالة تقول له إن ما يقدمه ليس منسيًا، وإن من يقود المعركة لا يكتفي بإصدار الأوامر من بعيد، بل يشارك جنوده تفاصيل الطريق.
أما المدنيون، فقد قرأ كثير منهم المشهد بطريقتهم. وسط هذا الإرهاق الطويل الذي فرضته الحرب على السودانيين، تصبح أي صورة تحمل ملامح الأمل أكبر من مجرد صورة. يصبح لها وقع خاص، لأنها تمنح الناس شعورًا بأن المعركة تمضي نحو نهايتها، وأن صفحة التمرد، مهما امتدت، ليست قدرًا دائمًا.
لا أقول إن صورة واحدة تحسم حربًا، ولا إن مشهدًا واحدًا يختصر معاناة وطن. لكنني أؤمن أن بعض الصور تملك قدرة غريبة على إعادة ترتيب المشاعر، وعلى منح الناس مساحة صغيرة من اليقين وسط كل هذا الضباب.
لهذا لم أتوقف عند الطائرة، ولا عند الزيارة نفسها، بل توقفت عند أولئك الجنود الذين ركضوا بعفوية نحو قائدهم. في تلك اللحظة شعرت أن الصورة لم تكن توثق حدثًا عسكريًا فقط، بل كانت تحكي حكاية ثقة، وحكاية رجال أنهكتهم الحرب، لكنهم ما زالوا يؤمنون بأن النهاية تستحق كل هذا الصبر.
وربما لهذا السبب تحديدًا… ظل مشهد أم سيالة عالقًا في ذهني.





