
لم تكن الحبوبة مجرد جدة، بل كانت قلب البيت الذي ينبض بالدفء، وصمام الأمان الذي يحفظ تماسك الأسرة. كانت مدرسة لا تحتاج إلى جدران، وجامعة لا تمنح الشهادات، ، لكنها تخرج أجيالا تعرف معنى الأدب، والحياء، وصلة الرحم، واحترام الكبير، وحب الصغير.
كانت تغرس فينا القيم دون أن تلقننا الدروس. تعلمنا بالقدوة قبل الكلمات، وبالاحتواء قبل التوجيه. وإذا اختلف أهل البيت، كانت كلمتها هي الفيصل، لأن الحكمة كانت تسكن قلبها قبل لسانها، ولأن العمر علمها ما لا تعلمه الكتب.
وفي تجاعيد وجهها كانت تختبئ حكايات السنين، وفي نظراتها كانت خرائط الحياة. كانت تعرف متى نصبر، ومتى نسامح، ومتى نصمت، ومتى نتكلم.
ومع حلول المساء، كانت تتحول إلى راوية لا يشق لها غبار. تجلس حولها الأحفاد، فتفتح لهم أبواب الخيال بقصص أمنا الغولة، وحسن الشاطر، والفارس علي، وفاطمة السمحة. لم تكن تلك الحكايات مجرد تسلية، بل كانت تبني الخيال، وتزرع الشجاعة، وتغرس القيم في النفوس دون أن نشعر.
وكانت فرحتها بنجاحنا أعظم من فرحتنا نحن. ربما لم تقرأ كتابا، ولم تكتب حرفا، لكنها كانت تعرف قيمة العلم، وتدرك أن النجاح هو طريق المستقبل.
وما أجمل تلك اللحظة التي تمد فيها يدها إلى المحفظة الصغيرة المعلقة في رقبتها بخيط قيطان رقيق، تتحسس ما بداخلها من الريال، والشلن،
والقرش، وأبو قرشين، ثم تخرج نصيبك بابتسامة تسبق العطاء. لم تكن قيمة المال هي التي تفرحنا، بل قيمة الحب الذي كان يصل إلينا مع كل قطعة نقدية. كانت لحظة تعادل في قلوبنا أعظم وسام.
وما زلت أذكرها وهي تفتح السحارة القديمة، تبحث بين مقتنياتها بعناية، ثم تخرج لنا قطعة حلاوة التلفون التي اختلط طعمها بعبق الزمن الجميل. كانت هدية صغيرة، لكنها كانت تحمل محبة لا تنتهي.
وكانت الحبوبة حصننا المنيع. إذا غضب الأب، أو اشتدت الأم، أو تشاكس الإخوة، وجدناها تقف أمامنا بكل حنان، تدافع عنا، وتخفف العقاب، وتعيد السلام إلى البيت. كانت الميناء الذي ترسو عنده قلوبنا كلما هبت علينا عواصف الحياة.
لكن الزمن تغير…
انزوت الحبوبة، وانزوت معها كثير من العادات الجميلة. لم يعد الأطفال يجلسون حولها، ولم تعد الحكايات تسبق النوم، ولم تعد السحارة تفتح كما كانت، ولا المحفظة الصغيرة تنتظرها الأيدي بلهفة.
واليوم أصبحت كثير من الجدات في سن أصغر مما كانت عليه جدات الأمس، وانشغلن بالحياة، والعمل، والهاتف، و مواقع التواصل ، والاهتمام بأنفسهن، فضاع ذلك الدور العظيم الذي كان يربط الأجيال ببعضها، ويمنح الأسرة دفئا لا يعوض.
وليس العيب في الحبوبة، فالحياة تبدلت، وتسارعت الأيام، لكننا خسرنا شيئا ثمينا… خسرنا ذلك الجسر الذي كان يصل الماضي بالحاضر، ويورث القيم بالمحبة لا بالأوامر.
الحبوبة ليست مجرد امرأة كبرت في العمر ، بل هي ذاكرة وطن، وخزانة قيم، ومكتبة حكايات، ومصنع للحنية، وملاذ آمن لكل حفيد.
رحم الله من رحلت منهن، وأطال الله في عمر من بقيت، وأعاد لبيوتنا ذلك الدفء الذي كانت تصنعه امرأة بسيطة، لم تكن تملك الكثير من المال، لكنها كانت تملك ثروة لا تقدر بثمن… ثروة الحنان. …..





