مقالات

الشرطة السودانية… شرف الرسالة ومسؤولية الفرد امام القانون

 د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: 

 

تابعت عبر مختلف وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي عددا من المقالات والكتابات والتعليقات التي تناولت وقائع منسوبة الى بعض افراد الشرطة، ولاحظت ان بعض هذا التناول لم يقف عند حدود نقد الفعل محل الاتهام، بل تجاوزه الى التعميم، ومحاولة النيل من الشرطة السودانية  بوصفها مؤسسة وطنية، وتحميل جميع ضباطها وضباط صفها وجنودها مسؤولية تصرفات فردية ما تزال محل تحر وتحقيق واجراءات قضائية لم تستنفد جميع مراحلها، ولم يصدر بشأنها حكم نهائي بات.

ومثل هذا التعميم لا يستقيم مع الدستور، ولا يتفق مع القانون، ولا ينسجم مع جوهر العدالة، لان المسؤولية الجنائية والتاديبية مسؤولية شخصية، ولا يجوز ان يحمل انسان وزر فعل لم يرتكبه، كما لا يجوز ان تدان مؤسسة كاملة بسبب تصرف فردي شاذ عن قوانينها وتعليماتها وعقيدتها المهنية.

وهذا المبدا ليس قاعدة قانونية حديثة فحسب، بل هو اصل راسخ في الشريعة الاسلامية، فقد قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر اخرى﴾. فلا يحمل انسان ذنب انسان اخر، ولا يؤخذ ضابط بجريرة زميله، ولا يدان جندي بفعل لم يرتكبه، ولا تحمل الشرطة السودانية كلها وزر تصرف فردي صدر بالمخالفة للدستور والقانون والتعليمات وشرف المهنة.

فالمسؤولية في الشرع والقانون مسؤولية شخصية، لا تقوم الا على فعل ثابت، ونسبة محددة، ودليل معتبر. ومن شارك في الجريمة، او امر بها، او حرض عليها، او تستر عليها عمدا، يسال بقدر فعله. اما من لم يشارك ولم يعلم ولم يرض، فلا يجوز شرعا ولا عدلا ولا قانونا ان يحمل وزر غيره.

فالشرطة السودانية ليست مجرد قوة تحمل السلاح او تنفذ الاوامر، وانما هي مؤسسة وطنية قانونية، تمثل احدى اهم ركائز الدولة في حماية المجتمع، وصيانة الامن العام، ومنع الجريمة، وحماية الارواح والاموال والاعراض، وانفاذ القانون في حدود الشرعية وتحت رقابة النيابة والقضاء.

وضباط الشرطة وضباط صفها وجنودها لم ياتوا من خارج المجتمع السوداني، بل خرجوا من ام سودانية واب سوداني، ونشأوا في بيوت عرفت الرحمة والمروءة والنجدة واحترام الكبير وحماية الضعيف ونصرة المظلوم. ثم التحقوا بكلية الشرطة ومعاهدها ومراكز تدريبها، ليتعلموا القانون والانضباط والتحري وحفظ الامن، وليحملوا مسؤولية حماية الانسان لا اذلاله، وحراسة الحقوق لا انتهاكها.

ان عقيدة الشرطة المهنية تقوم على ان السلطة امانة وليست امتيازا، وان القوة وسيلة استثنائية لا تستخدم الا عند الضرورة وفي الحدود التي يقررها القانون. فرجل الشرطة لا يستمد هيبته من قدرته على البطش، وانما من التزامه بالقانون، وعدالته في التعامل، وانضباطه عند ممارسة سلطاته.

وفي الدولة الدستورية لا توجد سلطة مطلقة. فالقبض والتفتيش والتحري والحراسة واستخدام القوة كلها سلطات مقيدة بمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب. واي خروج على هذه المبادئ لا يصبح مشروعا لمجرد صدوره عن شخص يرتدي الزي الرسمي، بل يخضع مرتكبه للمساءلة وفقا للقانون.

ومن ارسخ المبادئ التي تعلمناها في كلية الشرطة ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته امام محكمة مختصة، وفي محاكمة عادلة، وبادلة مشروعة تثبت الاتهام دون شك معقول. فالاشتباه لا يعني الادانة، والقبض لا يسقط الكرامة، والتحري ليس محاكمة، والمحقق ليس خصما للمتهم ولا قاضيا عليه ولا منفذا للعقوبة.

ومهمة الشرطة هي الوصول الى الحقيقة، وجمع ادلة الاتهام والبراءة معا، وفحص الوقائع بنزاهة وتجرد، وحفظ الادلة، وتقديم نتائج التحري الى النيابة والقضاء دون زيادة او نقصان.

ولهذا فان التعذيب او الاهانة او اساءة معاملة المحتجز، متى ثبتت، لا تمثل شدة في التحري ولا حزما في مواجهة الجريمة، بل تمثل خروجا عن الدستور والقانون وتعليمات الخدمة وشرف المهنة. كما ان الاعتراف المنتزع بالاكراه لا يصنع عدالة، وقد يؤدي الى ادانة بريء، وتضليل التحقيق، وتمكين الجاني الحقيقي من الافلات.

واذا نسبت الى احد افراد الشرطة واقعة اعتداء او تعذيب او وفاة اثناء الاحتجاز، فالواجب هو فتح تحقيق مستقل ونزيه، وحفظ الادلة، وسماع الشهود، وتحديد المسؤولية الشخصية، ثم ترك التكييف القانوني للقضاء، دون تستر على المخطئ، ودون ادانة مسبقة للمتهم.

ولا يجوز استباق كلمة القضاء، ولا بناء ادانة عامة على وقائع ما تزال قيد النظر او الطعن، لان الاصل ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته بحكم قضائي نهائي صادر عن محكمة مختصة. وقرينة البراءة التي ندافع عنها للمواطن يجب ان تشمل رجل الشرطة ايضا، فلا يجوز ان نرفض محاكمة المواطن اعلاميا، ثم نقبل بادانة الضابط او الجندي قبل استنفاد طرق التقاضي.

ومع ذلك، فان محاسبة الفرد لا تعني محاكمة المؤسسة. فالتصرف الفردي المخالف للدستور والقانون والتعليمات لا يمثل الشرطة السودانية، ولا يعبر عن عقيدتها المهنية، ولا يجوز ان يحمل تبعته آلاف الضباط وضباط الصف والجنود الذين يؤدون واجبهم بشرف ونزاهة وتجرد.

بل ان ضباط الشرطة وضباط صفها وجنودها هم اول من يتبرأ من التعذيب والاهانة وسوء معاملة المحتجزين، لان هذه الافعال تسيء الى قسمهم وزيهم وتاريخ مؤسستهم، وتطعن في الرسالة التي نذروا انفسهم لخدمتها.

وقد قدمت الشرطة السودانية عبر تاريخها نماذج مشرفة من الرجال والنساء الذين حموا المواطنين، وانصفوا المظلومين، وواجهوا الجريمة، وضحوا بارواحهم في سبيل الوطن. وهؤلاء هم الاصل، اما من ينحرف عن القانون فمسؤوليته شخصية، ولا يمثل بتصرفه الا نفسه.

والدفاع عن الشرطة لا يعني انكار الخطا او التستر عليه، كما ان الدفاع عن حقوق الانسان لا يبرر التشهير الجماعي بالمؤسسة. والموقف الدستوري السليم هو ان نحمي كرامة المحتجز، ونطالب بالتحقيق والمحاسبة، وفي الوقت نفسه نصون قرينة البراءة، ونرفض التعميم، ونحفظ للشرطة مكانتها الوطنية.

نحن لا نريد شرطة ضعيفة امام الجريمة، ولا شرطة قاسية على الانسان. نريد شرطة قوية بالقانون ، راسخة بالانضباط، مهابة بالعدل، حازمة بلا تجاوز، وقريبة من الشعب بلا تفريط في واجبها.

فالشرطة من الشعب، والشعب سندها، والقانون هو العهد الذي يجمع بينهما. ولا يحمل الضابط وزر غيره، ولا تحمل الشرطة وزر فرد خرج على دستورها وقانونها وشرف رسالتها. وانما يحاسب كل انسان بقدر فعله، وتبقى المؤسسة مصونة ما دامت متمسكة بالقانون، حارسة للحقوق، ووفية لرسالتها الوطنية.

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى