مقالات

من ساحات الحرب إلى ساحات العدالة الدولية.. الدكتور محمد الزين يروي قصة السودان أمام القانون الدولي

همس البوادي|سعاد سلامة

حين تتحدث البنادق تصمت كثير من الأصوات لكن حين يتحدث القانون تعود الوقائع لتقف شاهدة على ما جرى وتتحول دموع الضحايا إلى أدلة والمآسي إلى ملفات والذاكرة إلى وثائق لا تسقط بالتقادم
وفي السودان حيث ما تزال آثار الحرب ماثلة في البيوت المهدمة ومعسكرات النزوح ووجوه الأمهات الثكالى يبرز سؤال العدالة بوصفه أحد أهم الأسئلة التي ستواجه البلاد بعد أن تضع الحرب أوزارها.
في المؤتمر التنويري الذي نظمته وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة عبر وكالة السودان للأنباء بحضور الأستاذة سمية الهادي وكيل الوزارة والأستاذ إبراهيم موسى البشير مدير وكالة السودان للأنباء قدم الخبير القانوني والمحامي المتخصص في القانون الدولي الدكتور محمد الزين واحدة من أكثر القراءات القانونية شمولاً لطبيعة الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023 وللجرائم التي صاحبتها ولمسارات التقاضي الدولي التي يمكن أن تسهم في ملاحقة المتورطين فيها.

استهل الدكتور محمد الزين حديثه بتوجيه التحية للشعب السوداني وللصحفيين والصحفيات مشيداً بدور المرأة السودانية التي قال إنها أثبتت جدارتها وصمودها خلال معركة الكرامة الوطنية كما ترحم على أرواح الشهداء من الإعلاميين الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب.
ومنذ البداية حدد الرجل محورين رئيسيين لحديثه الأول يتعلق بجرائم الحرب والإبادة الجماعية من خلال التجربة السودانية والثاني يتناول مسألة التقاضي الدولي والآليات القانونية المتاحة لملاحقة مرتكبي الجرائم
وفي شرحه لمفهوم جرائم الحرب أوضح أن القانون الدولي وخاصة ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية الصادر عام 1998 وضع تعريفات واضحة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والعدوان كما أشار إلى أن السودان أدخل هذه الجرائم ضمن تشريعاته الوطنية عام 2009 الأمر الذي أتاح تكييف كثير من الانتهاكات التي شهدتها البلاد باعتبارها جرائم دولية وليست مجرد جرائم جنائية عادية.

وأكد أن ما جرى بعد اندلاع الحرب لا يمكن وصفه بالجرائم التقليدية المعروفة في القانون الجنائي من قتل أو سرقة أو اعتداء فحسب لأن هذه الأفعال ارتُكبت في سياق حرب منظمة استهدفت المدنيين بصورة ممنهجة وهو ما يجعلها تدخل في إطار جرائم الحرب وفق القانون الدولي.
وأشار إلى أن عمليات القتل والنهب والاختطاف والاغتصاب واستهداف الأعيان المدنية من مستشفيات ومحطات مياه وكهرباء وكنائس ومؤسسات خدمية كلها تمثل نماذج واضحة لجرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي
ولم يتوقف حديثه عند هذا الحد بل انتقل إلى الحديث عن جريمة الإبادة الجماعية موضحاً أنها تختلف عن جرائم الحرب في كونها تقوم على استهداف جماعة بشرية أو قومية أو عرقية أو دينية بعينها بقصد القضاء عليها أو إضعاف وجودها واستشهد بالأحداث التي شهدتها بعض مناطق دارفور وما تعرضت له مجموعات سكانية معينة من استهداف مباشر معتبراً أن ذلك يندرج ضمن الأفعال التي تستوجب التحقيق والتقاضي وفق قواعد القانون الدولي.

ورأى الدكتور محمد الزين أن ما حدث في السودان لم يكن مجرد صراع داخلي وإنما استهداف ممنهج للدولة السودانية وهويتها ومواردها وذاكرتها الاجتماعية ومستقبل أجيالها معتبراً أن هذه الأبعاد تدخل ضمن مفهوم الأمن القومي الاستراتيجي للدولة.
وفي محور التقاضي الدولي قدم شرحاً مستفيضاً للفارق بين محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية فأوضح أن محكمة العدل الدولية تعد أحد أجهزة الأمم المتحدة وتختص بالنظر في النزاعات بين الدول وتقديم الفتاوى والاستشارات القانونية الدولية بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة الأفراد المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الدولية الكبرى ومنع إفلاتهم من العقاب.

وكشف أن أول شكوى قانونية تم تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية كانت في السابع عشر من يناير 2024 بالتعاون مع عدد من القانونيين السودانيين في خطوة هدفت إلى فتح مسار قانوني دولي لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في السودان.
كما استعرض الجهود الميدانية التي صاحبت هذه الخطوة موضحاً أن فرقاً قانونية زارت معسكرات النازحين ومراكز الإيواء في عدد من الولايات بينها الخرطوم والشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر وكسلا والقضارف وسنار حيث تم جمع الإفادات والشهادات وتوكيلات الضحايا وتوثيق الوقائع المتعلقة بالقتل والاغتصاب والتهجير والنهب والانتهاكات المختلفة
وشدد على أن الضحايا أنفسهم يشكلون ركناً أساسياً في عملية التقاضي وأن كل من تعرض للتهجير أو فقد منزله أو ممتلكاته أو أحد أفراد أسرته يعد ضحية حرب وله الحق في المطالبة بالعدالة وجبر الضرر.

وتناول الدكتور محمد الزين أيضاً دور جامعة الدول العربية والآليات الإقليمية الأخرى مشيراً إلى مخاطبة الجامعة العربية بشأن ما جرى في السودان إلى جانب البحث في مسارات قانونية أخرى تشمل المؤسسات والمحاكم الإقليمية المعنية بحقوق الإنسان.
وفي جانب آخر من حديثه توقف عند طبيعة الحرب نفسها معتبراً أن ما حدث في السودان يختلف عن الانقلابات أو التمردات التي شهدتها البلاد في فترات سابقة لأن آثار الحرب الحالية امتدت إلى المجتمع المدني والبنية التحتية والخدمات العامة والموروث الثقافي والاقتصادي للدولة.
كما وجه رسالة مباشرة إلى الإعلاميين مؤكداً أن الإعلام الوطني لعب دوراً مهماً في كشف الانتهاكات وتوثيق الوقائع وتقديم الرواية السودانية للرأي العام المحلي والدولي داعياً إلى مضاعفة الجهود الإعلامية في مواجهة حملات التضليل وفي نقل صورة حقيقية لما جرى ويجري على الأرض.

لقد كان حديث الدكتور محمد الزين أكثر من مجرد مرافعة قانونية فقد بدا أقرب إلى شهادة موثقة على مرحلة مفصلية من تاريخ السودان مرحلة امتزجت فيها معاناة المواطنين بأسئلة العدالة والسيادة والكرامة الوطنية
ومن بين كل الرسائل التي حملها المؤتمر تبقى الرسالة الأبرز أن الحرب مهما كانت قاسية فإنها لا تلغي الحق وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت وأن دماء الضحايا ومعاناة النازحين وصرخات الأمهات المكلومات ليست مجرد ذكريات عابرة بل ملفات مفتوحة في ضمير الوطن ودفاتر القانون الدولي.

وحين تنتهي المعارك العسكرية ستبقى معركة أخرى لا تقل أهمية معركة الحقيقة والعدالة والمحاسبة وهي المعركة التي أكد الدكتور محمد الزين أن السودان بدأ بالفعل خوضها مستنداً إلى القانون وإلى إرادة شعب يرفض النسيان ويؤمن بأن الأوطان لا تُبنى فقط بإعادة إعمار ما دمرته الحروب وإنما أيضاً بإنصاف الضحايا وترسيخ مبدأ أن الجرائم الكبرى لا تمر بلا حساب وأن العدالة تظل السلاح الأخير والأقوى في مواجهة الظلم

اللهم أمنا في أوطاننا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى