مقالات

السوداني الناجح… والدولة الفاشلة

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

من أكثر مفارقات واقعنا إيلامًا أن كثيرًا من السودانيين يبرزون، متى انتقلوا إلى بيئة مستقرة ومنظمة، في شتى مجالات العلم والعمل والإنتاج، داخل مؤسسات تقيس الأداء بالنتائج. وهنا يبرز السؤال: لماذا ينجح السوداني خارج وطنه، بينما يعجز السودان عن تحويل كفاءات أبنائه إلى نهضة عامة؟
لا يعني السؤال تبرئة الأفراد من كل مسؤولية، ولا الادعاء بأن السودانيين جميعًا متفوقون في الخارج؛ فبينهم، كسائر الشعوب، الناجح والمقصر. لكنه يلفت إلى أثر البيئة المؤسسية في إطلاق الطاقات أو إهدارها. فالإنسان نفسه يتغير أداؤه حين يجد قانونًا واضحًا، وإدارة منضبطة، ومعايير معلومة، وترقيًا قائمًا على الجدارة، ومحاسبة لا تخضع للنفوذ.
في تلك البيئة تظهر خصال كثير من السودانيين: الصبر، وسرعة التعلم، والقدرة على التكيف، وتحمل العمل الشاق، والحرص على السمعة المهنية. وهي طاقات موجودة أصلًا، لكنها تحتاج إلى دولة تحسن توظيفها، لا إلى واقع يبددها أو يدفعها إلى الهجرة.

لذلك فاختزال أزمة السودان في نقص العقول خطأ؛ فالبلاد لم تفتقر إلى الخبراء وأصحاب التجارب والرجال والنساء القادرين على البناء. لكن الخطر الأكبر أن يؤدي استمرار البيئة الطاردة، من دون إصلاح جذري، إلى هجرة ما بقي من هذه العقول، أو انطفاء طاقاتها وتبدد خبراتها، وإلى إضعاف التعليم والتدريب والبحث العلمي، بما يحول دون بناء عقول متجددة تنقل الخبرة إلى الأجيال التالية. وعندئذ قد يتحول الخلل المؤسسي مع الزمن إلى نقص حقيقي ومتراكم في الكفاءات.
فقد افتقر السودان طويلًا إلى دولة مؤسسية تجعل الكفاءة طريقًا للتقدم، والقانون مظلة للجميع، والمال العام أمانة، والوظيفة العامة تكليفًا، والخدمة المدنية جهازًا مهنيًا لا ساحة للمحاصصة.

حين تصبح الدولة ميدانًا لتوزيع الحصص، يربح أصحاب النفوذ ويخسر الوطن. فالدولة لا تُبنى بالمجاملات، وإنما حين تكون الوظيفة للأكفأ، والقرار للأصلح، والمال العام خاضعًا للرقابة، والمخطئ للمساءلة، والموظف الشريف محميًا، والمبدع مقدمًا لا محاربًا.
ولا يكفي تفسير الفشل بالحسد أو محاربة الناجحين، وإن وُجدا؛ فالدول تهدمها الفوضى حين تغيب المؤسسات، والفساد حين تضعف الرقابة، والمحسوبية حين تحل محل الكفاءة، والنفوذ حين يصبح أقوى من القانون، والسياسة حين تتحول من خدمة عامة إلى طريق للامتياز والغنيمة.

ولا تتطلب الدولة العادلة مواطنين ملائكة؛ فالبشر في كل مكان فيهم المخلص والمقصر، والشريف والفاسد. لكن الدولة الناهضة تضع نظامًا يردع الطامع، ويكافئ المجتهد، ويحمي الأمين، ويحاسب المتجاوز. أما الدولة الفاشلة فتكثر فيها الاستثناءات حتى يصبح الالتزام بالقانون عبئًا، وتصبح مخالفته أقرب إلى المكسب.
وهنا تكمن العلة الأعمق: لم تنجح الدولة السودانية في جمع طاقات السودانيين داخل مشروع وطني تتقدم فيه المواطنة على القبيلة والجهة والحزب والشخص. وما لم يصبح الوطن مقدمًا على الولاءات الضيقة، والبرنامج على الرمز، والكفاءة على القرابة، فستظل البلاد عاجزة عن تحويل ما لديها من أفراد ناجحين إلى نهضة عامة، بل قد تفقد مع الزمن قدرتها على إعداد أجيال جديدة من الكفاءات.

والدرس الذي ينبغي استخلاصه من أزمات السودان واضح: لا خلاص بغير دولة تقوم على القواعد لا الأمزجة، والمؤسسات لا الأشخاص، والشفافية لا الغموض، والخدمة العامة لا المحاصصة. دولة تحترم المواطن لذاته، والكفاءة بوصفها ثروة وطنية، والمال العام باعتباره حقًا للأمة.
ويبدأ الإصلاح حين نكف عن انتظار المنقذ الفرد، ونبني نظامًا يتيح لآلاف الأكفاء العمل والإنتاج؛ فالأمم لا تنهض بفرد مهما عظم، بل بمنظومة تجعل الصواب ممكنًا، والخطأ مكلفًا، والفساد مطاردًا، والقرار العام خاضعًا للمعلومة والمساءلة.

إن نجاح السودانيين في الخارج دليل على وجود قدرات يمكن أن تسهم في بناء الوطن، مع بقاء المسؤولية الفردية قائمة، وإن ظلت الدولة صاحبة العبء الأكبر في بناء البيئة التي تطلق هذه القدرات. ولو توافرت خدمة مدنية محترفة، وعدالة مستقلة، وتشريعات واضحة، ورقابة فعالة، واقتصاد شفاف، لأمكن تحويل جانب كبير من النجاح الفردي المبعثر إلى قوة وطنية داخل السودان.
وكم من عقل هاجر لأنه لم يجد مكانه، وكفاءة انطفأت لأنها لم تجد مؤسسة تحميها، وموظف نزيه عوقب لأنه تمسك بالقانون، ومشروع تعثر لأن صاحبه لم يملك نفوذًا؟ تلك ليست خسائر فردية فحسب، بل استنزاف متواصل لقدرة الوطن على النهوض.

السودان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إعادة ترتيب الأساس: القانون فوق الجميع، والمؤسسات فوق الأشخاص، والكفاءة فوق الولاء، والرقابة فوق المجاملة، والوطن فوق الحصص.
وما لم ننتقل من دولة المزاج إلى دولة النظام، ومن عقلية الغنيمة إلى ثقافة الخدمة، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، ومن النفوذ إلى القانون، فستواصل البلاد تبديد ما بقي من عقولها وكفاءاتها؛ بهجرتها أو إطفاء طاقاتها، ثم إضعاف قدرتها على إعداد أجيال جديدة منها. أما إذا أُحسن بناء الدولة، فسيجد السوداني القادر فرصة النجاح في بلده، ويصبح السودان نفسه قصة نجاح أبنائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى