مقالات

الجعليون.. ميراث الوحدة والفراسة

كتب: أبوسفيان عبد الكريم

إلى عهد قريب، كانت ولايتا نهر النيل والشمالية من أكثر ولايات السودان معاناة من ضعف الخدمات، لا سيما في مجالات التعليم والصحة ومياه الشرب النقية. وأعتقد أن جانبًا كبيرًا من هذه التحديات ما زال قائمًا إلى اليوم، رغم ما تتمتع به الولايتان من إمكانات وموارد ضخمة تؤهلهما لأن تكونا في مقدمة ولايات السودان تنميةً وازدهارًا.

زرت مدينة شندي عدة مرات، وفي كل زيارة كنت أتمنى أن أراها أكثر تطورًا ونظافة، وأن تستثمر موقعها ومقوماتها الزراعية والتاريخية لتصبح مركزًا عالميًا للفواكه ومنطلقًا مهمًا لصادراتها.

وكذلك عطبرة، المدينة التي ازدهرت تاريخيًا بفعل الوافدين إليها وتنوع سكانها وخبراتهم، وكان من الممكن أن تصبح بيئة أكثر جذبًا للاستثمار والصناعة، خاصة بعد الحرب، وأن تستعيد دورها الريادي في الصناعات التحويلية، بدلًا من أن تظل هذه الصناعات رهينة للعاصمة وحدها.

أتابع، مثل غيري، ما يدور من أحداث متسارعة وتنافس لإبراز الأدوار وإحياء دور قبيلة الجعليين، وهي قبيلة ظل لها حضور مؤثر في تاريخ السودان ومواقفه الوطنية. كما كان لها دور كبير في إرساء دعائم الاستقرار خلال فترة الحرب، واحتضنت ولاية نهر النيل آلاف النازحين من مختلف أنحاء السودان، بكرم فياض ومواقف إنسانية ستظل محفورة في ذاكرة الوطن.

وقد استمعت كثيرًا إلى العمدة عبد الباسط عبد الله، وأنا من أكثر المعجبين به وبطريقة حديثه؛ لأنه يتحدث بقوة وثقة، مرفوع الرأس، وهي في تقديري من أهم صفات القيادة الحقيقية: ألا تهاب المواقف، وأن تتصدى للأزمات، وأن تقود الناس بالقول والفعل.

لكنني، في المقابل، شعرت بأن هناك خلافات وأيادي خفية ربما تسعى إلى عرقلة مسيرة هذا الشاب الطموح والحالم. وقد أحزنني هذا النهج، لأن أي خلاف داخلي يمكن أن يقود إلى التفكك والانجراف نحو تحقيق أهداف الآخرين.

إن ولاية نهر النيل اليوم في حاجة إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى؛ وحدة تبني على إرث حضاري كبير. ولا أتحدث هنا عن حضارة قبيلة فحسب، وإنما عن حضارة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، صنعتها المواقف والقيم والإسهامات الإنسانية المتراكمة.

ينبغي أن يتحول هذا الإرث إلى مشروع حقيقي للتنمية والازدهار.

أن يقود أبناء الولاية نهضة بلادهم، وأن تتجه الجهود نحو الارتقاء بالخدمات، وبناء المؤسسات الرائدة، وإقامة المشاريع الإنتاجية التي تعود بالنفع على المواطن.

فالحمد لله، لقد فتح الله على ولاية نهر النيل بخيرات وموارد ومعادن جعلت لها نصيبًا وافرًا من الثروة، إلى جانب المشاريع الزراعية الكبرى والمساحات الشاسعة الصالحة لزراعة الهشاب وغيرها من المحاصيل الاقتصادية والنقدية.

لكن الثروة الحقيقية لا ينبغي أن تبقى تحت الأرض، ولا أن تتوقف عند حدود الأرقام والتقارير، بل يجب أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومشروعات إنتاجية وفرص عمل ومستقبل أفضل للأجيال القادمة.

أتمنى أن يناقش مؤتمر الجعليين الجامع قضايا المجتمع الحقيقية، وأن يضع في مقدمة اهتماماته القضاء على الفقر، ومحاربة المخدرات التي تستهدف الشباب، لأن استهداف الشباب بالمخدرات هو استهداف مباشر لمستقبل المجتمع وهدم للبناء من أساسه.

أتمنى أن تكون وحدة القبيلة شعارًا يُطبق على أرض الواقع، لا مجرد كلمات تُرفع في المنابر.

وأن يكون مجلس الشورى على قلب رجل واحد، يقود نحو النهضة والإعمار والتطوير.

فالقبيلة، كما قال العمدة عبد الباسط، تجمع ولا تفرق.

وقد استطاع هذا الشاب، بصلابته ومواقفه، أن يحجز لنفسه مكانًا في مجالس الوفاق والسلام، وأن يصبح شخصية محبوبة ومحترمة بين النظار وقيادات القبائل الأخرى، بما يمتلكه من كرم في الحديث، وصدق في المواقف، وسخاء في العطاء.

إنني أتمنى ألا تنهزم القبيلة في أول امتحان.

وأن يكون مؤتمرها الجامع نموذجًا حقيقيًا للوحدة، لا مناسبة جديدة للخلاف والانقسام.

وأن يقود هذا الحراك ولاية نهر النيل نحو مزيد من الازدهار والتطور، وأن يتسع مجلس الشورى ليضم عموم القبائل والنظارات الموجودة في الولاية، لأن نهر النيل ليست ملكًا لقبيلة واحدة، وإنما هي وطن يجمع الجميع.

الوحدة قوة، والفراسة حكمة، والإرث الحقيقي لا يُحفظ بالحديث عنه فقط، وإنما يُحفظ بالبناء والتنمية وصناعة المستقبل.

حفظ الله نهر النيل وأهلها، وحفظ السودان من الفرقة والتشتت، وجعل وحدتنا طريقًا للنهضة والازدهار.

أبوسفيان عبد الكريم

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى