
ليس من الفطنة أن تُشعر الناس دائمًا بأنك فهمت كل شيء، ولا من الحكمة أن تقف عند كل كلمة، وتكشف كل خافية، وترد على كل إساءة، وتحاسب على كل هفوة. فقد يكون من كمال العقل أن ترى ولا تُشعر غيرك بكل ما رأيت، وأن تفهم ولا تقول كل ما فهمت، وأن تعلم ثم تختار، عن وعي واقتدار، أن تتجاوز.
فالإنسان كلما نضج أدرك أن القدرة على الفهم شيء، وحسن استعمال ما فهم شيء آخر. وليس كل ما تعرفه ينبغي أن تقوله، ولا كل ما تراه ينبغي أن تعلق عليه، ولا كل خطأ يقع في حقك يحتاج إلى رد، ولا كل إساءة تستحق أن تحفظها في ذاكرتك.
وقد تعلم أن فلانًا قال عنك ما لا تحب، ثم تلتقيه فلا تحدثه به. وقد ترى تقصيرًا ممن تحب، فتقدر أن سنوات المودة أكبر من هفوة عابرة. وقد تفهم مقصد كلمة قيلت لك، ثم تختار لها أحسن المحامل أو تمضي عنها كأنك لم تسمعها. وليس ذلك ضعفًا؛ فالضعيف قد يسكت لأنه لا يستطيع الرد، أما من يتغافل عن وعي فيستطيع الرد، ولكنه يختار ألا يفعل؛ لأنه يسأل نفسه قبل أن يتصرف: ماذا سأكسب إن فتحت هذا الباب؟
وهذا السؤال وحده قد يجنب الإنسان كثيرًا من الخصومات. فالبيوت لا تستقيم لأن أهلها لا يخطئون، وإنما لأنهم لا يحولون كل خطأ إلى قضية، والأصدقاء لا تدوم صداقتهم لأن أحدهم لم يسمع من الآخر يومًا كلمة تؤذيه، وإنما لأن في الصداقة رصيدًا من المودة يسمح بأن تمر بعض الكلمات ولا تبقى جروحًا مفتوحة. وكذلك الأقارب والجيران وزملاء العمل والشركاء؛ فلو أقام كل إنسان ميزانًا دقيقًا يحصي به على الآخرين كل كلمة وموقف وتقصير، ثم طالبهم بتسوية الحساب أولًا بأول، لتحولت الحياة كلها إلى دفاتر للخصومات.
ومن هنا كان التغافل من حسن العشرة. والتغافل لا يعني أن تخدع نفسك، ولا أن تصدق الباطل، ولا أن تسمح للآخرين باستغلالك، بل معناه أن تعرف ثم تزن ما عرفت؛ فإن كان أمرًا عابرًا تجاوزته، وإن كان مما يستوجب النصح نصحت، وإن كان حقًا يجب حفظه حفظته، وإن كان ضررًا ينبغي منعه منعته. فالحكمة ليست في التغافل عن كل شيء، كما أنها ليست في الوقوف عند كل شيء.
وبعض الناس لا يكتفي بما ظهر له، وإنما يرهق نفسه في البحث عما خفي: من قال؟ وماذا قال؟ ولماذا قال؟ ومن كان حاضرًا؟ وماذا كان يقصد؟ وماذا قيل بعد ذلك؟ ثم قد يصل في النهاية إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها، فلا يجد فيها إلا ما يعكر قلبه، ويقطع مودة، ويشعل خصومة، من غير أن يرد حقًا أو يدفع ضررًا.
ولهذا جاء التوجيه القرآني البليغ، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[المائدة: 101]
وليس في ذلك دعوة إلى الجهل أو ترك السؤال النافع، وإنما فيه تنبيه إلى حقيقة دقيقة: ليس كل ما يمكن أن نعرفه نحتاج إلى معرفته، وليس كل ما نعرفه نحتاج إلى تتبعه وإظهاره.
بل إن القرآن يرفع الإنسان إلى منزلة أعلى من مجرد التجاوز، فيقول سبحانه:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: 134]
فأنت هنا أمام إنسان أصابه ما يغضبه، فعلم وغضب، ثم ملك نفسه فكظم، ثم تجاوز فعفا، ثم ارتقى إلى الإحسان، حتى بلغ الغاية العظمى: محبة الله للمحسنين. وهذه قوة وليست ضعفًا.
وكلما امتد العمر بالإنسان أدرك أن راحة النفس لا تأتي من الانتصار في كل مواجهة، وأن معرفة كل ما يقال عنه ليست مكسبًا، وأن تصحيح كل فهم خاطئ عنه ليس واجبًا، وأن بعض الأمور تموت إذا تركناها، لكنها تكبر إذا منحناها من اهتمامنا أكثر مما تستحق. وقد يكون الإنسان قادرًا على أن يقول لصاحبه: أنا أعرف ما فعلت، وقادرًا أن يقول لقريبه: بلغني ما قلت، وقادرًا أن يثبت لمن أمامه أنه فهم قصده منذ اللحظة الأولى، ثم لا يفعل شيئًا من ذلك. يعرف ويتغافل، ويفهم ويتجاوز، ويرى ويستر، فإذا استوجب الأمر موقفًا وقف في موضعه بلا ضعف ولا تفريط.
وهنا يظهر الفرق بين من يتغافل لأنه حكيم، ومن يغفل لأنه لا يدري، ومن يسكت لأنه عاجز. فليس المطلوب أن يعيش الإنسان غافلًا عما حوله، وإنما أن يكون يقظ العقل، واسع الصدر، حسن التقدير؛ يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يسأل ومتى يكف عن السؤال، ومتى يقف ومتى يمضي.
وقد لخصت الحكمة العربية هذا المعنى كله في بيت بليغ:
ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومه
لكنَّ سيدَ قومه المتغابي
فالغبي لا يدرك، أما المتغابي فيدرك ثم يملك قراره فيما أدرك؛ ولذلك فليس الذكاء أن تفهم كل شيء فحسب، ولا أن تثبت للناس أنك فهمته، بل أن تعرف ماذا تصنع بما فهمت.
فالذكاء أن تفهم، والحكمة أن تعرف متى تتغافل عما فهمت.





