
عندما تبدأ مدينة خارجة من الحرب في استعادة حياتها، لا تعود إليها المباني والخدمات وحدها. تعود معها أشياء أخرى قد لا ننتبه إليها كثيراً، لكنها ضرورية لكي تستعيد المدينة قدرتها على تعريف نفسها وإدارة تفاصيل حياتها.
ومن أهم هذه الأشياء: أسماء الأماكن.
أسماء المدن والأحياء والشوارع والميادين والمعالم والمواقع قد تبدو في ظاهرها مجرد كلمات نكتبها على اللوحات، لكنها في المدينة الحديثة جزء من منظومة أكبر بكثير. فالاسم يرتبط بالعنوان، والعنوان يرتبط بالخريطة، والخريطة ترتبط بالسجل العقاري ونظم المعلومات الجغرافية والخدمات والطوارئ وحركة الناس والنشاط الاقتصادي.
لذلك فإن النقاش الذي بدأ مؤخراً حول مراجعة أسماء بعض شوارع الخرطوم، في أعقاب الجولة التي أجرتها اللجنة القومية للأسماء الجغرافية، لا ينبغي أن يُختزل في سؤال بسيط: أي اسم سيحل محل أي اسم؟
الموضوع أوسع من ذلك.
فالاسم ليس لوحة على جانب الطريق فقط؛ إنه جزء من هوية المكان ومن المعلومات التي تعتمد عليها المدينة.
الخرطوم مدينة عاشت تحولات كثيرة، وتركت كل مرحلة شيئاً في أسمائها.
هناك أسماء سودانية ارتبطت بشخصيات أو أحداث أو أماكن، وأسماء جاءت من مراحل تاريخية مختلفة، وأسماء رسمية أصبحت مع مرور الزمن جزءاً من الذاكرة اليومية للسكان، حتى إن الناس قد يستخدمون اسماً شعبياً للمكان أكثر من الاسم الموجود في السجلات الرسمية.
وهنا أعتقد أن علينا أن نفرق بين مراجعة الأسماء وبين محو الذاكرة.
ليس كل اسم أجنبي غريباً بالضرورة عن تاريخ السودان، وليس كل اسم سوداني مناسباً بالضرورة لكل موقع. وقد يكون اسم قديم غير متداول رسمياً، لكنه حاضر بقوة في ذاكرة الناس، بينما يكون اسم آخر رسمياً لكنه لم يدخل فعلياً في الاستخدام اليومي.
لذلك فإن السؤال المهني لا ينبغي أن يكون فقط:
من نريد أن نسمّي الشارع باسمه؟
بل قبل ذلك:
ما الذي يجعل هذا الاسم مناسباً لهذا المكان؟
هنا يتحول الموضوع من مجرد تسمية إلى قضية تخطيط وإدارة معلومات مكانية.
فاسم الشارع يدخل في الخرائط، والعناوين، ونظم المعلومات الجغرافية، والسجل العقاري، وخدمات البريد والتوصيل، وإدارة الطوارئ، والوصول إلى الخدمات، وحتى في النشاط التجاري.
ولهذا فإن تغيير اسم شارع ليس مجرد إزالة لوحة وتركيب لوحة أخرى.
إنه تغيير في معلومة تستخدمها المدينة ومؤسساتها وسكانها.
ومن هذه الزاوية، فإن وجود جهة قومية مختصة بالأسماء الجغرافية يمثل خطوة مهمة، خصوصاً أن السودان يحتاج إلى منظومة وطنية واضحة للأسماء وربطها بالمواقع والخرائط والمعلومات المكانية.
لكن قوة هذه المنظومة لن تقاس بعدد الأسماء التي يتم تغييرها، وإنما بقدرتها على تنظيم الاسم وتوثيقه وحمايته وتحديثه.
وهنا تبرز فرصة مهمة في مرحلة التعافي وإعادة البناء.
نحتاج إلى قاعدة وطنية للأسماء الجغرافية، تبدأ بحصر الأسماء المستخدمة فعلياً، وربط كل اسم بموقعه الجغرافي، وتوثيق أصله وتاريخه، ومعرفة الفرق بين الاسم الرسمي والاسم المتداول، وتحديد الأسماء التي تحمل قيمة تاريخية أو اجتماعية أو عمرانية.
وبعد ذلك تأتي المعايير.
متى نغيّر الاسم؟
ومتى نحتفظ به؟
ومتى يكون من الأفضل إضافة اسم جديد؟
ومتى يكون الأنسب الاحتفاظ بالاسم التاريخي مع وضع لوحة تعريفية تشرح قصته وأصل التسمية؟
هذه الخيارات كلها ممكنة، ولا ينبغي أن يكون تغيير الاسم هو الحل الوحيد في كل حالة.
أحياناً قد يكون الاحتفاظ بالاسم التاريخي مع توثيق قصته أكثر فائدة للمدينة من إلغائه.
فالاسم هنا يمكن أن يتحول من مجرد عنوان إلى وسيلة لحفظ الذاكرة وتعريف الأجيال بتاريخ المكان.
وبالطبع، فإن أي مراجعة جادة للأسماء تحتاج إلى إجراءات واضحة ومعلنة، وإلى مشاركة الجهات الفنية والمحليات والمجتمعات المحلية والمؤرخين والباحثين، وفق القانون والمعايير المعتمدة.
فالمدينة ليست ملكاً لجهاز إداري واحد، كما أنها ليست ملكاً لجيل واحد.
المدينة تراكم.
تتراكم فيها المباني، والطرق، والأحياء، والقصص، والذكريات، والأسماء.
ولهذا فإن التعامل مع أسمائها يحتاج إلى شيء من الهدوء والتوثيق، لا إلى التعامل معها باعتبارها مجرد أدوات لتغيير صورة الماضي.
والخرطوم اليوم تحتاج إلى هذا النوع من التفكير أكثر من أي وقت مضى.
فبعد الحرب، نحن لا نعيد بناء المباني فقط.
نحن نعيد بناء الخرائط، والسجلات، وقواعد البيانات، وأنظمة الإدارة، وطرق تقديم الخدمات، والعلاقة بين المواطن والمؤسسة والمكان.
والشارع الذي نعيد تأهيله يحتاج إلى عنوان واضح.
والعنوان يحتاج إلى اسم موثق.
والاسم يحتاج إلى موقع جغرافي محدد.
والموقع يحتاج إلى قاعدة بيانات.
وقاعدة البيانات تحتاج إلى مؤسسة قادرة على إدارتها وتحديثها والمحافظة عليها.
وهنا يلتقي التخطيط العمراني بالتاريخ والثقافة ونظم المعلومات الجغرافية والإدارة في نقطة واحدة.
ولعل هذا هو المعنى الأوسع للأسماء الجغرافية.
إنها ليست فقط ما نقوله عندما نصف المكان، وإنما جزء من اللغة التي تستخدمها المدينة لكي تعرف نفسها وتدير شؤونها.
والخرطوم التي نريد إعادة بنائها ليست خرطوم الأمس كما كانت، وليست مدينة تقطع صلتها بماضيها.
نريدها مدينة تعرف تاريخها، وتحتفظ بما يستحق الاحتفاظ به، وتراجع ما يحتاج إلى مراجعة، وتوثق ما يجب ألا يضيع، وتفسح في الوقت نفسه المجال لجيل جديد ليضيف فصلاً جديداً إلى تاريخها.
فالتعافي لا يعني أن نعيد الماضي كما كان.
التعافي أن نأخذ من الماضي ذاكرته، ومن الحاضر دروسه، ومن المستقبل اتجاهه.
ومن هنا يبدأ الإعمار الحقيقي.





