
لم يعد تعطل تطبيق «بنكك» حادثًا عابرًا يقع مرة ثم يُعالج وينتهي، بل أصبح أزمة تتكرر منذ فترة طويلة، وتتكرر معها اعتذارات بنك الخرطوم ووعوده بمعالجة الخلل وتحسين الخدمة، ثم لا يلبث المواطنون أن يجدوا أنفسهم أمام المشكلة ذاتها من جديد. وقد بلغ تكرار الأعطال والتذبذب والبطء في الخدمة حدًا يفوق الاحتمال، لا لأن الناس يطلبون من التقنية ما لا تطيق، وإنما لأن التطبيق أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بحياة ملايين السودانيين ومعاشهم ومصالحهم اليومية، فأصبح تعطله المتكرر يوقع أضرارًا هائلة لا تتناسب مطلقًا مع أهمية الخدمة التي يحملها.
والمشكلة ليست في الاعتذار؛ فالاعتذار واجب عند وقوع الخلل، وإنما في أن يصبح الاعتذار نفسه متكررًا لأن أصل المشكلة لم يُحسم. فالناس لا يحتاجون بعد كل توقف إلى اعتذار جديد بقدر حاجتهم إلى خدمة مستقرة، وإلى معرفة لماذا يتكرر الخلل، وما الذي فُعل حتى لا يعود.
لقد تجاوز «بنكك» منذ زمن كونه مجرد تطبيق مصرفي يستخدمه عملاء بنك الخرطوم، وأصبح في الواقع جزءًا من دورة الحياة اليومية والاقتصادية في السودان. فمن خلاله يشتري الناس الطعام والدواء والوقود، ويسددون أجور النقل والعلاج والخدمات، ويرسلون النفقة إلى أسرهم، ويدفع التجار أثمان البضائع، وتتحرك الأموال بين المدن والولايات، وتُنجز أعداد هائلة من المعاملات التي تقوم عليها حياة الناس.
ولهذا فإن تعطل «بنكك» لا يعني مجرد أن تطبيقًا في هاتف لا يعمل، بل قد يعني أن إنسانًا يملك المال ولكنه عاجز عن الوصول إليه أو التصرف فيه حين يحتاجه؛ فقد يقف مريض أمام صيدلية ولا يستطيع دفع ثمن دوائه، أو مسافر لا يستطيع سداد أجرة سفره، أو أسرة تنتظر نفقتها فلا تصل، أو تاجر لا يستطيع دفع ثمن بضاعته، أو صاحب عمل يعجز عن تحويل مستحقات العاملين، أو مواطن أمام حاجة عاجلة لا يستطيع قضاءها، لا لأنه لا يملك المال، وإنما لأن الطريق الذي أصبح يعتمد عليه للوصول إلى ماله قد توقف.
ولا يقف الضرر عند هؤلاء الأفراد، فكل معاملة متوقفة قد تكون وراءها معاملات أخرى؛ فالتاجر الذي لم يستلم أمواله قد لا يستطيع الدفع لمورده، والمورد قد يعجز عن شراء بضاعة جديدة أو نقلها، والعامل الذي لم يستلم مستحقاته قد يعجز عن الإنفاق على أسرته، وهكذا ينتقل أثر العطل من شخص إلى آخر، ومن متجر إلى سوق، ومن قطاع إلى قطاع. فإذا كانت المنصة تحمل قدرًا ضخمًا من حركة الأموال اليومية، فإن توقفها الواسع لا يعطل هواتف الناس، بل يعطل جزءًا من دورة المال نفسها.
وهذا يعني خسائر تتجاوز ما يظهر أمامنا لحظة العطل: معاملات تتأخر أو تضيع، وبيع وشراء يتوقفان، وسلاسل توريد تتعطل، وساعات عمل تُهدر، ومؤسسات ترتبك، فضلًا عن أثر أخطر لا يظهر فورًا هو فقدان الثقة في الدفع الإلكتروني نفسه. فحين يخشى المواطن والتاجر من تعطل الوسيلة التي يصلان بها إلى أموالهما، يميلان إلى الاحتفاظ بمزيد من النقد والبحث عن وسائل بديلة احتياطًا للعطل القادم، وبذلك قد نفقد جانبًا من مكاسب التحول الرقمي والشمول المالي.
ومن الصعب حصر القيمة الحقيقية لهذه الخسائر من غير بيانات دقيقة عن عدد العمليات المتعطلة وقيمتها ومدة كل انقطاع، لكن الضرر لا يُقاس بعدد ساعات توقف التطبيق وحدها، وإنما بحجم النشاط الاقتصادي والاجتماعي الذي يتوقف أو يتعسر خلال تلك الساعات. ولهذا فإن ساعة عطل في خدمة محدودة الاستخدام ليست كساعة عطل في منصة أصبحت طريقًا رئيسيًا لحركة الأموال وقضاء الحاجات اليومية لملايين الناس.
وهنا ينبغي أن يتغير السؤال من: لماذا تعطل «بنكك» هذه المرة؟ إلى سؤال أكبر: كيف سمحنا أصلًا بأن يرتبط جانب بالغ الضخامة من حركة المجتمع اليومية بمنصة مصرفية واحدة، بحيث يؤدي اضطرابها إلى اضطراب جزء معتبر من النشاط الاقتصادي والاجتماعي في البلاد؟
قد تكون وراء الأعطال أسباب فنية مختلفة: ضغط على الأنظمة، أو قصور في السعة، أو مشكلات في قواعد البيانات أو الاتصالات أو الربط أو التحديثات أو غير ذلك، ولا يصح الجزم بسبب محدد من خارج النظام الفني للبنك. ولذلك فإن أول المطلوب هو مراجعة فنية مستقلة وشاملة للأعطال المتكررة تحدد أين تقع نقاط الاختناق والفشل، وتعالج الأسباب لا الأعراض، وتجيب عن السؤال الذي يعني الناس: لماذا يتكرر العطل، وكيف نضمن ألا يستمر بهذه الصورة؟
أما بنك الخرطوم، فقد أصبح مطالبًا بأن يتعامل مع «بنكك» لا كتطبيق مصرفي عادي، وإنما كنظام بالغ الحساسية بحكم حجم الاعتماد الفعلي عليه. وهذا يقتضي سعات تستوعب أضعاف أعلى ضغط متوقع، ومراكز تشغيل وبيانات احتياطية مستقلة، ومسارات اتصال متعددة، وانتقالًا تلقائيًا سريعًا إلى الأنظمة البديلة عند الفشل، واختبارات ضغط وتعافٍ دورية؛ أي بنية احتياطية كاملة لا تجعل نقطة فشل واحدة قادرة على إسقاط الخدمة كلها.
ولا يعني ذلك إغفال مسؤولية شركات الاتصالات والإنترنت والكهرباء وسائر البنية الرقمية التي تقوم عليها الخدمة؛ فإذا كان مصدر بعض الأعطال خارج البنك وجب تحديده ومحاسبة المسؤول عنه ومعالجته. لكن ذلك لا يعفي البنك من بناء البدائل اللازمة لاستمرار خدمته، كما لا يعفي الدولة من مسؤوليتها عن توفير بنية تحتية تستطيع عليها الخدمات المالية الحرجة أن تعمل باستقرار.
أما إن صح ما تداولته بعض الأخبار والكتابات الصحفية من أن البطء والتعطيل لا يرجعان في بعض الأحيان إلى قصور فني داخل المصارف، وإنما إلى إجراءات تتخذها جهات الاتصالات تنفيذًا لتوجيهات من مستويات أعلى في الدولة، بهدف تقييد تدفق المعاملات المصرفية الإلكترونية ضمن محاولات الحد من المضاربات على العملات الأجنبية والسيطرة على سعر الصرف، فإن الأمر يصبح أخطر بكثير، ويستوجب بيانًا رسميًا عاجلًا وواضحًا يثبت ذلك أو ينفيه. ذلك أن معالجة اضطراب سوق الصرف، مهما بلغت خطورته، لا يجوز أن تكون بتعطيل أو إبطاء وصول ملايين المواطنين إلى أموالهم وإرباك البيع والشراء والعلاج والنقل وسائر حاجاتهم؛ فهذه معالجة للعرض بإلحاق ضرر أوسع بالاقتصاد والمجتمع، بينما الواجب مواجهة أسباب اختلال سوق النقد وأدوات المضاربة نفسها. وحتى إن نجحت مثل هذه المعالجة في كبح بعض جموح ارتفاع الدولار قليلًا ولفترة مؤقتة، فإن كلفتها قد تكون أفدح من مكسبها العابر؛ لأنها تشيع الخوف والقلق والشعور بالمحاصرة وعدم القدرة على الوصول إلى المال والتصرف فيه بحرية، في سوق لا تملك الدولة أصلًا زمامها كاملًا.
ومثل هذه الأجواء تضعف الثقة، وتدفع الناس إلى التحوط والبحث عن البدائل، وتغذي التوقعات السلبية؛ وهي عوامل قد تنقلب في وقت غير بعيد إلى مزيد من الطلب على العملات الأجنبية واتساع السوق الموازية وتسارع التدهور الذي أريد كبحه ابتداءً. فإذا كان العلاج يخفف ظاهر الأزمة اليوم ثم يقوي أسبابها غدًا، فإنه لا يحل المشكلة، بل يؤجلها ويضاعف كلفتها. وكم مرة، على امتداد عقود، جُرِّبت في السودان مثل هذه المعالجات التي تطارد الأعراض وتترك جذور الداء، فما حصدنا منها في نهاية المطاف إلا الهشيم، ثم عدنا إلى الأزمة نفسها أشد مما كانت. وإذا ثبت أن تقييد الخدمة يتم عمدًا لهذا الغرض، فإن المسؤولية لا تعود حينئذ مسؤولية بنك الخرطوم أو المصارف وحدها، بل تنتقل أساسًا إلى الجهة التي أصدرت القرار والجهات التي نفذته، ويصبح من حق الرأي العام أن يعرف من اتخذ هذا القرار، وعلى أي أساس، وما تقدير آثاره الاقتصادية والاجتماعية قبل تنفيذه. أما إن لم يصح ذلك، فمن مصلحة الدولة والمصارف والمواطنين أن يُنفى بوضوح، حتى لا تبقى الشائعات هي التي تفسر للناس سبب أزمة تمس حياتهم وأموالهم كل يوم.
ومع ذلك فإن إصلاح «بنكك» وحده، مهما بلغ من الجودة، ليس هو الحل الجذري للمشكلة. فحتى أفضل الأنظمة التقنية في العالم يمكن أن تتعرض للعطل، لكن العطل فيها يكون استثناءً تسعى الأنظمة الجيدة إلى تطويقه، لا حالة متكررة يدفع المجتمع ثمنها بهذا الاتساع. ولذلك لا تُبنى الأنظمة الوطنية الحرجة على افتراض أن شيئًا لن يتعطل، وإنما على ضمان أن يكون العطل نادرًا ومحدودًا، وألا يؤدي سقوط جزء إلى سقوط المنظومة كلها.
وهنا تقع المسؤولية الكبرى على بنك السودان المركزي. فمسؤولية بنك الخرطوم المباشرة هي استقرار «بنكك»، أما مسؤولية البنك المركزي فهي استقرار نظام الدفع في السودان كله. وعليه أن يضع معايير صارمة ومعلنة لاستمرارية الخدمات المصرفية الإلكترونية، ويراقب الالتزام بها، ويحدد الحد الأدنى المقبول لتوافر الخدمة وزمن استعادتها، ويلزم المصارف بخطط حقيقية لاستمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث، مع اختبارات دورية ومحاسبة عند تكرار الإخفاق غير المبرر.
والأهم من ذلك كله الإسراع في بناء وتوسيع الربط البيني والمحول القومي حتى يستطيع المواطن أن يحول ويدفع من أي بنك أو محفظة إلى أي بنك أو محفظة أخرى بسهولة وفورية، فلا تبقى قدرته على قضاء حاجاته اليومية مرهونة بتطبيق واحد مهما كان نجاحه وانتشاره.
فالمطلوب ليس إضعاف «بنكك» ولا الانتقاص من نجاحه؛ بل العكس: المطلوب أن يصبح أقوى وأكثر استقرارًا، وفي الوقت نفسه تقوم إلى جانبه منظومة وطنية مترابطة تجعل التطبيقات والمصارف والمحافظ تتنافس في جودة الخدمة، بينما تتكامل جميعها في حركة الأموال. فإذا تعطل أحدها وجد المواطن طريقًا آخر واستمرت حياته بصورة طبيعية.
كما ينبغي ألا تكون التطبيقات المعتمدة على الإنترنت وحدها الطريق إلى أموال الناس، بل تتعدد القنوات المناسبة للدفع والتحويل، بحيث لا يؤدي سقوط الإنترنت أو تطبيق بعينه إلى حبس المواطن عن ماله.
ويحتاج السودان كذلك إلى مركز رقابة فني لحظي لدى البنك المركزي يتابع أداء نظم الدفع الرئيسية: توافر الخدمة، وزمن الاستجابة، ونسبة العمليات الفاشلة، ومواقع الاختناق، ومدة استعادة الخدمة. فلا ينبغي أن يعرف المنظم بوجود الأزمة بعد أن تمتلئ وسائل التواصل بشكاوى المواطنين.
ومن الضروري أيضًا أن تكون هناك شفافية أكبر عند الأعطال الكبرى. ليس مطلوبًا نشر تفاصيل فنية يمكن أن تمس أمن الأنظمة المصرفية، ولكن من حق الناس أن يعرفوا في بيان واضح: ماذا حدث بصورة عامة؟ وكم استمر؟ وما الإجراءات التي اتخذت لمنع تكراره؟ فالشفافية هنا ليست أمرًا ثانويًا، وإنما جزء من الثقة في النظام المالي.
ولهذا فإن معالجة القضية لا ينبغي أن تنتظر العطل القادم. المطلوب اعتبار نظم الدفع الإلكتروني واسعة الاستخدام بنية تحتية وطنية حرجة، وإجراء مراجعة مستقلة لأسباب الأعطال، وإلزام المشغلين بمعايير صارمة للاستمرارية، وتسريع المحول القومي والربط بين المصارف والمحافظ، وإنشاء بدائل حقيقية وقنوات متعددة للدفع، ومراقبة الأداء واختبار خطط الطوارئ قبل وقوع الأعطال لا بعدها.
فليس المطلوب أن نَعِد الناس بأن «بنكك» لن يتعطل مطلقًا؛ فهذا لا يستطيع نظام تقني في العالم ضمانه، وإنما المطلوب أن يصبح العطل نادرًا وقصيرًا ومحدود الأثر، وأن توجد البدائل قبل الحاجة إليها.
لقد أصبحت القضية أكبر من تطبيق وأكبر من بنك. وحين تصبح وسيلة ما طريقًا رئيسيًا لوصول ملايين الناس إلى أموالهم وشراء طعامهم ودوائهم وقضاء حاجاتهم وتحريك أعمالهم، فإن تعطيلها المتكرر لا يجوز أن يبقى شأنًا فنيًا يعالج باعتذار بعد كل عطل. إنه يمس حياة الناس وحركة الاقتصاد واستقرار النظام المالي، ومن ثم تصبح استمرارية هذه الخدمة ووجود البدائل لها مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل؛ لأن المطلوب في النهاية ليس فقط ألا يتعطل «بنكك»، بل ألا تتعطل حياة السودان إذا تعطل.





