السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (7 من 10): دولار مرتفع أم حياة متوقفة؟
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

لا أحد يريد دولارًا مرتفعًا، ولا يخفى ما يجره تراجع الجنيه من غلاء وضغط على حياة الناس. لكن الرغبة في دولار رخيص شيء، والقدرة الاقتصادية على توفيره بهذا السعر شيء آخر.
وهنا ينبغي أن نسأل: أيهما أشد ضررًا في مرحلة العسر: دولار مرتفع لكنه متاح في سوق رسمية، أم سعر منخفض معلن لا يجد عنده المواطن والمنتج والمستورد ما يحتاجون إليه؟
فالعملة الأجنبية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لشراء الدواء والغذاء والوقود والآلات وقطع الغيار ومدخلات الإنتاج، وللعلاج والدراسة والتجارة وغيرها. ولذلك فالقضية ليست الرقم المكتوب أمام الدولار، بل إمكان الحصول عليه بصورة قانونية وآمنة.
فإذا حددت الدولة سعرًا لا يتوافر عنده الدولار بما يقابل الطلب، فإن السعر المعلن لا يلغي واقع السوق؛ بل يدفع جانبًا من التعامل إلى سوق موازية بسعر آخر. وعندها يحصل من يصل إلى الدولار الأرخص على ميزة لا يملكها غيره، وتنشأ فرص للمحاباة والوساطة وإعادة البيع، بينما تصبح التكلفة الحقيقية أعلى من السعر المعلن، وقد تكون التكلفة الأكبر هي عدم الحصول على الدولار أصلًا.
فما فائدة دولار رخيص على الورق إذا لم يجد المستشفى به دواءه، أو المصنع مادته الخام، أو المزارع مدخلاته، أو صاحب الآلة قطعة غيارها؟
ارتفاع السعر مؤلم، لكن فرض سعر أدنى من السعر الذي يوازن العرض والطلب، من غير القدرة على توفير الدولار عنده، قد يضيف إلى الغلاء ندرةً وسوقًا موازيةً وتعطيلًا للنشاط.
وهذا لا يعني أن ارتفاع الدولار أمر محمود أو أن علينا الاستسلام له؛ بل يعني أن العلاج ليس إخفاء السعر بقرار، وإنما معالجة الأسباب التي رفعته: ضعف تدفقات النقد الأجنبي والإنتاج والصادرات، واختلال المالية العامة، والتمويل التضخمي، وضعف الثقة، وتعقيد التجارة والاستثمار.
فالمنتج الذي يحتاج إلى مدخل مستورد، إذا استطاع شراء الدولار بسعر مرتفع وظل نشاطه مجديًا، يستطيع الاستمرار. أما إذا مُنع من شرائه بالسعر المتاح انتظارًا لدولار أرخص لا يجده، فقد لا يكون البديل إنتاجًا أرخص، بل توقف الإنتاج.
والسعر المرتفع نفسه يكشف حقيقة الندرة، فيعيد الأفراد والشركات حساباتهم، ويتراجع تلقائيًا بعض الطلب الذي لا تبرر منفعته تكلفته، بينما يستمر الطلب الذي يرى صاحبه أنه يستحقها. وهذه آلية تختلف عن أن تحاول جهة إدارية تحديد احتياجات ملايين الناس والشركات، ومن يستحق الدولار، وبأي كمية وفي أي وقت.
لكن ترك السعر للسوق لا يعني غياب الدولة. فدورها أن تنظم المصارف والصرافات، وتحمي المنافسة وسلامة النظام المالي، وتمنع التلاعب، وتدير السياسة النقدية واحتياطياتها بكفاءة، ويمكنها التدخل عند الاضطرابات الحادة متى امتلكت الموارد اللازمة، من غير أن تجعل نفسها المصدر الذي يجب أن يوفر الدولار لكل طالب أو الجهة التي تحدد سعره بدل السوق.
فالفرق جوهري بين تنظيم السوق والتدخل عند الضرورة، وبين إدارة السعر إداريًا.
وقد يقال: إن تحرير السعر سيزيد الغلاء.
لكن الغلاء قائم أصلًا ما دام النقد الأجنبي شحيحًا والإنتاج ضعيفًا، سواء ظهر سعر الدولار الذي يوازن العرض والطلب في السوق الرسمية أم اختفى خلف سعر إداري منخفض. والفارق أن تثبيت سعر لا يتوافر عنده الدولار لا يزيل كلفته، بل قد يضيف إليها الندرة والاستثناءات والسوق الموازية وتعطل الإنتاج والتجارة، فتزداد الأزمة تعقيدًا.
أما السوق الرسمية التي يعكس سعرها العرض والطلب فلا تجعل الدولار رخيصًا بمجرد إنشائها، لكنها تزيل تشوه السعر المصطنع، وتتيح للسعر أن يتحسن لاحقًا إذا زاد العرض وتحسنت الثقة والإنتاج والتدفقات الرسمية.
ولهذا فالسؤال الصحيح ليس: كيف نجعل رقم الدولار أقل اليوم؟ بل: كيف نزيل الأسباب التي جعلته مرتفعًا حتى يتحسن بقوة الاقتصاد نفسه؟
ويكون ذلك بزيادة الإنتاج والصادرات، وجذب التحويلات والاستثمار، وإعادة حصائل الصادرات إلى القنوات الرسمية، وخفض مخاطر التجارة والاستثمار، وضبط العجز والتمويل التضخمي. فتوحيد السوق وحده لا يكفي لاستقرار العملة إذا استمرت الاختلالات المالية والنقدية التي تضعفها.
ومن المهم هنا تصحيح فكرة أخرى: قيام سوق صرف رسمية يحدد فيها السعر العرض والطلب لا يشترط أن تمتلك الدولة مسبقًا احتياطيات تكفي لتلبية كل الطلب بنفسها؛ فالاحتياطي يعزز قدرة البنك المركزي على التدخل وامتصاص الصدمات، لكنه ليس بديلًا عن التقاء العرض والطلب بين المتعاملين.
فسعر التوازن، في جوهره، هو السعر الذي تتقابل عنده الكميات المعروضة والمطلوبة. ولا يعني ذلك بالضرورة ترك سوق الصرف بلا تنظيم أو رقابة أو أي تدخل من البنك المركزي؛ بل يمكن للبنك أن يتدخل عند الحاجة وفي حدود موارده، من غير أن يحل محل السوق أو يفرض عليها سعرًا لا يستطيع الاقتصاد توفير النقد الأجنبي عنده.
ولهذا فإن قبول سعر مرتفع مؤقتًا ليس هدفًا ولا سياسة دائمة، وإنما اعتراف بحقيقة الندرة حتى نعالج أسبابها، بدل إخفائها بسعر لا يتوافر عنده الدولار.
فبين دولار مرتفع متاح ودولار رخيص غير موجود، لا ينبغي أن تخدعنا الأرقام.
والأخطر من ارتفاع الدولار أن نجعل خفض سعره غاية تعلو على الاقتصاد نفسه، فنوقف بسببه دواءً أو مصنعًا أو مزرعة أو تجارة أو استثمارًا، ثم نكتشف أننا سعينا إلى حماية الجنيه بإضعاف الاقتصاد الذي لا يمكن للجنيه أن يقوى على نحو مستدام إلا بقوته.
لا نحمي العملة بإيقاف الحياة؛ بل نبني اقتصادًا يعمل، فتجد العملة ما يسندها.
ويبقى السؤال: إذا كانت الموارد محدودة والنقد الأجنبي قليلًا والإنتاج دون حاجتنا، فكيف نحافظ على القليل الموجود ونجعله أساسًا للمزيد بدل أن نهدره؟
وهذا هو موضوع المقال القادم، إن شاء الله:
لا تهدروا القليل المتاح.





