إشتياق الكناني تكتب | الكرمك.. عودة اللؤلؤة إلى أهلها

إلى الكرمك الجميلة الظليلة نكتب، إلى تلك المدينة التي تختبئ بين أحضان الجبال والوادي، والتي تحمل في تفاصيلها حكايات الأرض والإنسان، نكتب بعد أن عاشت زمناً ثقيلاً تحت وطأة الحرب، وبعد أن مرّت عليها أيام عصيبة لم تكن تشبه صباحاتها الهادئة ولا أمسياتها التي كانت تعانق فيها الطبيعة أهلها بالسكينة والجمال.
الكرمك ليست مجرد مدينة على خارطة الوطن، بل هي حكاية من الخضرة والماء والجبال، هي رائحة الأرض بعد المطر، وهي أصوات المزارعين وهم يتفقدون زرعهم، وهي ظلال الأشجار التي اعتاد أهلها أن يجلسوا تحتها يتبادلون الأحاديث ويصنعون من البساطة حياة مليئة بالمحبة والتآخي. هي تلك اللؤلؤة التي لا يعرف قيمتها إلا من عاش بين جبالها ووديانها، وشرب من مائها، وتنفس هواءها، وعرف طيبة أهلها وكرمهم.
مرت على الكرمك أيام قاسية، وشهدت أرضها آثار الحرب، ودخلتها أقدام لم تعرف معنى المكان ولا قيمة الإنسان، لكن المدينة رغم كل ذلك بقيت صامدة، لم تنحنِ أمام المحن، وظلت تحمل في داخلها وعد العودة والحياة. بقيت أشجارها واقفة، وظلت أرضها تنتظر أبناءها، وكأنها تقول لهم إن الغياب مهما طال فإن العودة قادمة، وإن الجذور لا تنقطع مهما اشتدت العواصف.
واليوم تعود الكرمك إلى أهلها، إلى أصحاب الحقول والمزارع، إلى البيوت التي تنتظر ضحكات الأطفال، وإلى الطرقات التي تحفظ خطوات أبنائها، وإلى الصباحات الخريفية الجميلة حين تتجمع السحب فوق الجبال معلنة بداية موسم جديد من الخير والعطاء. تعود إلى فاكهتها المشهورة، إلى مواسم المانجو، وإلى رائحة التراب المبلل بالمطر، وإلى نفير أهلها الذين عرفوا دائماً كيف يعيدون الحياة إلى المكان مهما كانت الظروف.
ستظل ذاكرة أهل النيل الأزرق تحمل قصة معسكر الكرامة (3)، ذلك المكان الذي احتضن أبناء الكرمك الذين خرجوا بحثاً عن الأمان في أيام الخوف، يحملون معهم أحلام العودة وذكريات الديار. واليوم وقد تبدلت الأحوال، جاء وقت العودة، وقت أن يفتح كل بيت أبوابه، وأن تعود القهوة إلى مواقدها، وأن تجتمع الأسر تحت ظلال التبلديات، وأن تعود المجالس التي كانت تجمع الرجال والنساء على المحبة والود.
إن إعمار الكرمك ليس فقط بناء جدران أو إصلاح طرق، بل هو إعادة روح مدينة كاملة، إعادة البسمة إلى الوجوه، وإعادة الأمل إلى النفوس، وإحياء العلاقة القديمة بين الإنسان وأرضه. فالمدن لا تعيش بالحجارة فقط، وإنما تعيش بأهلها وذكرياتهم وأحلامهم.
الكرمك اليوم تقف من جديد، تحمل في وجهها آثار الصبر، وفي قلبها إرادة الحياة. ستعود مزارعها أكثر اخضراراً، وستعود أصوات أهلها تملأ المكان، وسيكتب أبناؤها فصلاً جديداً من تاريخها، فالأرض التي احتضنتهم لا يمكن أن تنساهم، والمدينة التي أحبّوها ستظل تنتظرهم مهما طال الطريق.
عادت الكرمك إلى أهلها، وعاد أهلها إلى أرضهم، وعاد الأمل ليزرع في جبالها ووديانها قصة جديدة عنوانها الصمود والحياة.





