مقالات

اقتصاد الانتباه… حين يتحول الترفيه إلى تخديرٍ للوعي

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

لم تعد السيطرة على الإنسان تقتضي دائمًا منعه من الكلام أو حرمانه من المعلومات؛ فقد تكون أشد فاعلية حين يُغمر بما لا ينتهي من الأخبار والصور والمباريات والحكايات والمقاطع القصيرة، حتى يظل مشغولًا بكل شيء إلا بما يصلح نفسه، ويبني مستقبله، وينفع مجتمعه.
وقد حذّر كتاب «فخ العولمة»، لمؤلفيه هانس بيتر مارتن وهارالد شومان، من تصور طُرح في منتدى عالمي عُقد بسان فرانسيسكو عام 1995، مؤداه أن التقدم التقني وارتفاع الإنتاجية قد يجعلان نحو عشرين في المئة من السكان في سن العمل كافين للمحافظة على دوران الاقتصاد العالمي، بينما تتعرض قطاعات واسعة من الباقين للتهميش.

وفي ذلك السياق ظهر مصطلح صادم هو «الإرضاع الترفيهي»، منسوبًا إلى زبيغنيو بريجنسكي، تعبيرًا عن استرضاء الفئات المهمشة بحد أدنى من الإعاشة مع إغراقها في الترفيه والإلهاء. وليست نسبة العشرين والثمانين حقيقة علمية محسومة، ولا يثبت المصطلح وجود مؤامرة سرية مكتملة التفاصيل؛ وإنما هو تصور تحذيري من مستقبل قد تُستخدم فيه وفرة الترفيه لتسكين آثار التفاوت والتهميش بدل علاج أسبابهما.
وقد جعل الواقع الرقمي جوهر هذا التحذير جديرًا بالتأمل؛ إذ تتنافس المنصات على مورد إنساني محدود هو الانتباه، وتتعرف إلى ما يجذب المستخدم، ثم تدفع إليه محتوى متجددًا ليبقى أطول مدة ممكنة أمام الشاشة. وهنا لا يكون ثمن المحتوى المجاني مالًا بالضرورة، بل قد يكون وقت الإنسان وتركيزه وبياناته وقدرته على التفكير المتأني.

ويسمى هذا التنافس في الاقتصاد والإعلام الرقمي «اقتصاد الانتباه»؛ إذ يصبح وقت المستخدم وتركيزه موردًا تسعى المنصات والمعلنون إلى اجتذابه واستثماره. وتساعد الإشعارات المتكررة، والتشغيل التلقائي، والتدفق غير المنتهي للمقاطع، والمكافآت السريعة على إطالة الاستخدام، وقد تجعل الانتقال من مادة إلى أخرى أسهل من التوقف والتفكير.
وليست المشكلة في الترفيه نفسه؛ فالإنسان يحتاج إلى الراحة والترويح المباح ليستعيد نشاطه. وقد قال النبي ﷺ لحنظلة رضي الله عنه، في بيان تفاوت حال الإنسان بين الذكر وشؤون معاشه وأهله: «ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة». وإنما يبدأ الخلل حين يصبح الترفيه غاية بعد أن كان وسيلة، ويستهلك من العمر ما كان ينبغي أن يذهب إلى العلم والعمل والعبادة والأسرة.

وقد حذر القرآن من الغفلة المستغرقة فقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ۝ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. فالخطر ليس في اللهو العابر، بل في أن يستولي الإلهاء على القلب والعقل حتى يصرف الإنسان عن واجباته وغاية وجوده.
وقال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». والغبن أن يمتلك المرء الصحة والوقت والعقل، ثم يخرج من يومه بلا معرفة جديدة، ولا مهارة نافعة، ولا عمل صالح أو إنتاج مثمر. وقال ابن القيم في «الفوائد»: «إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها».

ومن أخطر صور التأثير المعاصر ألا يُمنع الإنسان من التفكير، بل تتزاحم عليه الملهيات حتى يضعف نصيبه منه؛ فتسهم الخوارزميات والإعلانات والمشاهير في تشكيل اهتماماته ورغباته، وقد لا ينتبه إلى مقدار ما تؤثر به في اختياراته وأولوياته.
وقد يحفظ المرء أخبار المباريات والمشاهير أكثر مما يعرف عن تخصصه أو عمله أو مشروع مستقبله، ويقضي ساعات في متابعة حياة الآخرين بينما تتعطل جوانب من حياته. وتشتد خطورة ذلك في المجتمعات التي تعاني الحرب والفقر والبطالة وضعف التعليم؛ لأن طاقات الشباب التي ينبغي أن تتجه إلى المعرفة والإنتاج وإعمار البلاد قد تُستنزف في الشائعات والجدالات والمقاطع العابرة.

والعلاج ليس في اعتزال التقنية أو تحريم الترفيه، وإنما في استعادة الإنسان زمام انتباهه: بتحديد أوقات المنصات، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتجنب التصفح بلا غرض، وجعل نصيب ثابت للقراءة والعمل والحركة والعبادة والأسرة. كما ينبغي أن يسأل المرء نفسه قبل فتح أي منصة: لماذا أدخل إليها؟ وكم سأبقى فيها؟ وبماذا سأخرج منها؟
ولا بد من تربية الأبناء على استخدام التقنية في التعلم والإبداع والإنتاج، لا على الاستهلاك وحده؛ لأن الفراغ الذي لا يُملأ بهدف نافع تملؤه المنصات بما يخدم أهدافها ومصالحها.
إن الهاتف أداة عظيمة إذا حمل كتابًا، أو علّم مهنة، أو وصل رحمًا، أو يسّر عملًا، ولكنه يتحول إلى قيد حين يسرق الساعات ويشتت الذهن ويجعل صاحبه حاضرًا في حياة الآخرين غائبًا عن حياته.
إن معركة عصرنا ليست على الأرض والثروات وحدها، بل على العقول والوقت والانتباه. ومن أحسن إدارة انتباهه حفظ جانبًا كبيرًا من قراره، ومن تركه نهبًا لكل إشعار ومقطع وخبر، أتاحت للآخرين أن يحددوا له ما يشاهد، وما يهتم به، وفيما ينفق عمره.

فليسأل كل منا نفسه: هل أستخدم المنصات لخدمة غايتي، أم تستخدمني لخدمة غاياتها؟ وهل أقود وقتي، أم أقضي عمري مستجيبًا لما يُعرض أمامي؟ وهل يقربني ما أفعله من الغاية التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾؟
إن الإفاقة لا تعني حرمان النفس من الراحة، بل وضعها في موضعها، وإعادة الترفيه إلى حجمه الطبيعي، واسترداد العقل من التشتت والعمر من الضياع؛ حتى لا نمضي حياتنا في متابعة العالم، بينما تتوقف مشروعات حياتنا نحن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى