اشتياق الكناني تكتب | الحقوا الأسعار يا حكومة

ما يحدث هذه الأيام في أسواق الخرطوم لم يعد مجرد ارتفاع عادي في الأسعار، بل أصبح سباقاً يومياً بين المواطن والأسواق، وفي كل يوم ينتصر الغلاء ويخسر المواطن جزءاً جديداً من قدرته على العيش.
خلال فترة قصيرة جداً شهدت أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية قفزات مخيفة، حتى أصبح المواطن يذهب إلى السوق صباحاً ليجد سعراً، ويعود في اليوم التالي ليجد سعراً مختلفاً تماماً. هذا الوضع خلق حالة من القلق وعدم الاستقرار وسط الأسر التي تعاني أصلاً من ظروف اقتصادية قاسية فرضتها الحرب وتداعياتها.
المشكلة ليست في ارتفاع الأسعار فقط، وإنما في سرعتها وعدم وجود أي مؤشرات على استقرارها. فكيلو السكر الذي كان يباع بأربعة آلاف جنيه أصبح بخمسة آلاف جنيه خلال يوم واحد فقط، ومن يدري كم سيكون سعره بعد أيام؟ هذا المثال يتكرر مع العديد من السلع الأساسية التي يحتاجها المواطن يومياً، حتى أصبحت عملية التسوق نفسها عبئاً نفسياً قبل أن تكون عبئاً مالياً.
الكثير من الأسر ما زالت حتى اليوم تعتمد على التكايا والمطابخ الخيرية لتوفير وجبة واحدة في اليوم. وهناك أسر تعتمد على دخل فرد واحد فقط بعد أن فقد آخرون وظائفهم أو مصادر رزقهم بسبب ظروف الحرب. وفي ظل هذه الأوضاع يصبح أي ارتفاع جديد في الأسعار بمثابة ضربة إضافية لمواطن أنهكته المعاناة وأثقلته الالتزامات.
ومن أكثر ما يثير الاستغراب أن السلعة الواحدة تباع بأسعار مختلفة من سوق إلى آخر، بل ومن متجر إلى آخر داخل المنطقة نفسها. هذا التفاوت الكبير يطرح تساؤلات مشروعة حول الرقابة على الأسواق وآليات ضبط الأسعار. فكيف يمكن للمواطن أن يثق في عدالة السوق إذا كان السعر يتغير من مكان إلى آخر دون مبررات واضحة؟
التجار من جانبهم يبررون هذه الزيادات المستمرة بارتفاع أسعار الدولار وتقلبات سعر الصرف، وهو تبرير قد يكون منطقياً في بعض الحالات، لكن المواطن في النهاية لا تعنيه المبررات بقدر ما يعنيه أن يكون قادراً على شراء احتياجات أسرته الأساسية. فالمواطن ليس طرفاً في معادلة الدولار ولا في حركة الاستيراد، لكنه الطرف الذي يدفع الثمن كاملاً في نهاية المطاف.
لذلك فإن المطلوب اليوم من الحكومة ليس الاكتفاء بمراقبة المشهد، بل التدخل بصورة مباشرة وحاسمة لضبط الأسواق ومراقبة حركة البيع والشراء ووضع تسعيرة استرشادية للسلع الأساسية، إلى جانب تشديد الرقابة على الممارسات التي تساهم في رفع الأسعار دون مبرر حقيقي.
كما أن استقرار سعر الصرف أصبح ضرورة ملحة، لأن أي اضطراب في سوق العملات ينعكس فوراً على أسعار الغذاء والدواء والنقل وكل ما يرتبط بحياة المواطنين. ولا يمكن الحديث عن تحسين الأوضاع المعيشية دون معالجة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء موجة الغلاء الحالية.
إن المواطن السوداني تحمل الكثير خلال الفترة الماضية، وصبر على ظروف استثنائية لم تشهدها البلاد من قبل، لكنه اليوم يواجه تحدياً جديداً يتمثل في تأمين احتياجاته اليومية في ظل أسعار تتصاعد بلا توقف. لذلك فإن قضية الأسعار لم تعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبحت قضية معيشية وإنسانية تمس استقرار الأسر ومستقبلها.
الرسالة للحكومة واضحة ومباشرة: تحركوا قبل أن يصبح الغلاء أزمة أكبر مما هو عليه الآن. فالأسواق تحتاج إلى رقابة، والأسعار تحتاج إلى ضبط، والمواطن يحتاج إلى من يقف إلى جانبه في هذه الظروف الصعبة.
باختصار… الحقوا الأسعار يا حكومة.





