جمال الكناني يكتب: اقليم النيل الأزرق.. حيث يلتقي الأمن بالخضرة وتُكتب حكايات الصمود

لم تكن زيارتنا إلى اقليم النيل الأزرق مجرد مهمة إعلامية عابرة، بل كانت فرصة للوقوف عن قرب على واقع ولاية ظلت حاضرة في المشهد السوداني بما تواجهه من تحديات وما تحققه من إنجازات. فقد انطلقت برفقة عدد من الزملاء والزميلات الإعلاميين في زيارة ميدانية هدفت إلى الوقوف على الأوضاع الأمنية، والاطلاع على سير الموسم الزراعي، ورصد آثار الانتصارات الأخيرة التي حققتها القوات المسلحة في مدينة الكرمك والمناطق المحيطة بها، إلى جانب التعرف على حجم الاستقرار الذي تشهده الولاية بعد تلك التطورات.
بدأت الزيارة بلقاء مع حاكم اقليم النيل الأزرق أحمد بادي العمدة، الذي قدم لنا شرحًا مفصلًا عن الأوضاع الراهنة، مؤكدًا أن الإقليم تنعم بدرجة كبيرة من الأمن والاستقرار، وأن الحياة تسير بصورة طبيعية في مختلف المحليات. وأوضح أن الاقليم يشهد عودة متزايدة للمواطنين القادمين من دولة جنوب السودان، كما تمضي الترتيبات الخاصة بتفويج مواطني مدينة الكرمك إلى مناطقهم بعد تحريرها، بما يعكس الثقة في استقرار الأوضاع وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ديارهم.
وعلى أرض الواقع، لم يكن ما سمعناه مجرد حديث مسؤول، بل وجدنا شواهد كثيرة تؤكد ذلك. ففي مدينة الدمازين، عاصمة الإقليم، لمسنا حركة طبيعية في الأسواق والشوارع، واستقرارًا ملحوظًا في الخدمات الأساسية، خاصة خدمات المياه والكهرباء، وهو ما يبعث على التفاؤل في ظل الظروف التي تمر بها البلاد. وكانت أمطار الخريف التي استقبلتنا منذ وصولنا لوحة أخرى من لوحات النيل الأزرق؛ إذ استمرت لساعات طويلة، لتبشر بموسم زراعي واعد ينتظره المزارعون وأصحاب المشاريع الزراعية، الذين يعولون على هذا الموسم لتعزيز الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي.
كما كانت لنا زيارة إلى قيادة الفرقة الرابعة مشاة بمدينة الدمازين، حيث وجدنا حفاوة استقبال وكرم ضيافة يعكسان أصالة أهل المنطقة. وخلال اللقاء مع قائد الفرقة، اللواء الركن إسماعيل الطيب حسين، لمسنا روحًا عالية من الثقة والعزيمة، وإصرارًا واضحًا على استكمال الجهود الرامية إلى تأمين الولاية والقضاء على ما تبقى من بؤر التهديد، بما يحفظ أمن المواطنين واستقرارهم.
لكن أكثر ما بقي عالقًا في الذاكرة خلال هذه الزيارة كانت قصة **قرية “شمار”**، التي تحولت إلى رمز للصمود والإرادة. فهذه القرية الصغيرة لم تكن مجرد محطة في برنامج الزيارة، بل كانت درسًا حيًا في الشجاعة والتماسك. فقد تعرضت لهجمات متكررة من مليشيا الدعم السريع، تجاوزت ست هجمات، إلا أن أهلها تمسكوا بأرضهم ورفضوا مغادرتها. وبإمكانات بسيطة، وبالاعتماد على السلاح الأبيض المحلي المعروف باسم “دن قدورة “، تمكنوا من الدفاع عن قريتهم، مقدمين نموذجًا يجسد قوة الإرادة عندما تقترن بحب الأرض والانتماء إليها. لم تكن المعركة بالنسبة لهم معركة سلاح بقدر ما كانت معركة كرامة ووجود، ولذلك ظلوا ثابتين رغم كل التحديات.
وأثناء حديثنا مع عدد من أبناء المنطقة، لمسنا اعتزازهم بما تحقق، وإيمانهم بأن الاستقرار هو المدخل الحقيقي للتنمية وإعادة الإعمار. كما لمسنا حجم التكاتف بين المواطنين والقوات النظامية، وهو ما أسهم في تعزيز الأمن وتهيئة الأجواء لعودة الحياة إلى طبيعتها في كثير من المناطق.
ولم يقتصر ما لفت انتباهنا على الجوانب الأمنية فحسب، بل كان للإنسان في النيل الأزرق حضوره الخاص. فالكرم الذي أحاطنا به الأهالي، وحسن الاستقبال الذي وجدناه في كل محطة، يعكس القيم الأصيلة التي يتميز بها مجتمع الإقليم. شعرنا منذ اللحظة الأولى أننا بين أهلنا، حيث تمتزج البساطة بالمحبة، وتتحول الضيافة إلى لغة لا تحتاج إلى ترجمة.
وقبل أن نغادر، كانت الطبيعة ترسم مشهدها الأخير. الجبال الخضراء، والأشجار التي اكتست بمياه الخريف، والأمطار التي لم تتوقف، كلها منحت الإقليم جمالًا استثنائيًا يصعب وصفه بالكلمات. غادرت النيل الأزرق وأنا أحمل انطباعًا مختلفًا عما كنت أتوقع؛ الإقليم ينبض بالحياة، وتتمسك بالأمل رغم التحديات، وتؤمن بأن المستقبل يُصنع بالإرادة والعمل.
تحية لحاكم اقليم النيل الأزرق، وللمحافظ السيدة فواتح، وللقوات المسلحة والقوات النظامية التي تعمل على ترسيخ الأمن، ولأهل الإقليم الذين أحاطونا بكرمهم الأصيل وطيب معشرهم. وغادرت وأنا على يقين بأن النيل الأزرق ليس مجرد اقليم جميل بطبيعته، بل هو أيضًا أرض للصمود، وعنوان للأمل، ونموذج لسودان قادر على النهوض مهما اشتدت المحن.





