
لم تعد قوة الجيوش تُقاس بعدد الجنود والدبابات والطائرات وحدها؛ فقد غيّرت التكنولوجيا طبيعة الحرب، وأصبحت الطائرات المسيّرة تؤدي بكلفة أقل نسبيًا بعض المهام التي كانت تتطلب طائرات مأهولة ووحدات استطلاع وعمليات معقدة.
وكشفت الحروب المعاصرة أن المسيّرات غدت عنصرًا أساسيًا في منظومة القتال؛ تستطلع، وتراقب التحركات، وتوجّه النيران، وتضرب الأهداف، وتنقل المعلومات سريعًا. غير أن فاعليتها لا تنبع من الطائرة وحدها، بل من تكاملها مع الاتصالات الآمنة، والحرب الإلكترونية، وتحليل الصور، ودقة المعلومات، وسرعة القرار.
كما أتاحت التقنيات التجارية وإمكان تعديل بعض مكوناتها لجهات أقل قدرة على امتلاك السلاح التقليدي المتقدم أن تؤثر في ميدان القتال. ولذلك بات التفوق مرتبطًا بحسن التنظيم والتعلم والتكيف، إلى جانب امتلاك السلاح.
وقد زادت المسيّرات انكشاف الأفراد والمواقع والمركبات ومخازن الإمداد، وقللت ما كانت توفره المسافة والظلام من حماية. لكنها ليست سلاحًا حاسمًا في كل الأحوال؛ إذ يمكن الحد من فاعليتها بالتشويش، والرصد المبكر، والتمويه، والدفاع الجوي القريب، وتأمين الاتصالات، وتغيير المواقع، والانضباط الميداني.
ومن هنا أصبحت الحرب الإلكترونية جزءًا أصيلًا من القتال الحديث؛ فالمعركة لم تعد بين الأسلحة وحدها، بل بين الرصد والخداع، والاتصال والتشويش، والمعلومة والاختراق، وسرعة القرار وسرعة تعطيله.
ويحمل هذا التحول درسًا مهمًا للسودان، بما له من مساحة واسعة وحدود ممتدة وموارد ومنشآت حيوية. فالاستخدام المنظم للمسيّرات يمكن أن يسهم في مراقبة الحدود، ومكافحة التهريب، وحماية المزارع والمناجم والموانئ والسدود، ورصد السيول والحرائق، ومتابعة الطرق وخطوط الكهرباء، ودعم الزراعة الدقيقة والمسح الجغرافي.
لكن التقنية قد تتحول إلى خطر إذا وقعت في أيدي جماعات مسلحة أو شبكات إجرامية أو جهات تعمل خارج القانون. لذلك لا يكفي اقتناؤها، بل يجب تنظيم استخدامها المدني والأمني والعسكري بالترخيص والرقابة والمحاسبة، في ظل دولة تحتكر السلاح والقرار العسكري.
ولا تُبنى القدرة الوطنية بالاستيراد وحده، وإنما بالتعليم والتدريب والصيانة والبرمجة وتحليل البيانات والتصنيع التدريجي. فالدولة التي تشتري التقنية من دون أن تستوعبها تظل رهينة لمورديها، أما التي تفهمها وتطورها وفق حاجاتها فتقترب من الاستقلال التقني.
ويمكن للسودان إنشاء مراكز متخصصة لتدريب الشباب في الاستخدامات المدنية، كالمسح الجغرافي والزراعة الذكية ومراقبة الموارد، مع حصر القدرات الأمنية والدفاعية في المؤسسات الرسمية وتحت القانون.
غير أن المسيّرات بلا خرائط دقيقة واتصالات مؤمنة وقواعد بيانات ومراكز تحليل وقرار تظل أدوات محدودة. ولذلك يرتبط الدفاع الحديث ببناء دولة رقمية مترابطة تستند مؤسساتها إلى معلومات موثوقة وسريعة.
كما لا يجوز أن تنفصل التقنية عن القانون والأخلاق؛ فالاستخدام العسكري يجب أن يلتزم حماية المدنيين، والتمييز بين الأهداف، ومنع الاستهداف العشوائي، وتحديد المسؤولية والمحاسبة.
لقد أثبتت الحروب الجديدة أن الدولة الضعيفة تدفع ثمن ضعفها مضاعفًا، وأن الفوضى تصبح أشد خطرًا حين تمتلك التقنية، وأن الجيوش التي لا تتعلم وتتجدد تتراجع مهما كثرت معداتها.
ولا يتحقق الاستعداد بشراء المسيّرات أو إنشاء مراكز تدريب متفرقة، بل بحزمة وطنية متكاملة تُنفذ بالتوازي، تشمل بسط الأمن وسيادة القانون، وبناء جيش وطني واحد، وإصلاح الاقتصاد، وترسيخ الحوكمة والرقمنة، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وحماية البيانات والاتصالات، وتنظيم التقنية، ودعم التدريب والتصنيع.
فإذا صلحت البيئة العامة، أمكن توجيه المسيّرات إلى الدفاع والتنمية وحماية الموارد. أما إذا بقيت الدولة ضعيفة ومجزأة، فقد تصبح أداة صغيرة في يد الفوضى مصدر خطر كبير.
والسؤال الحقيقي ليس كيف نشتري هذه التقنية، بل كيف نبني دولة قادرة على امتلاكها وتنظيمها وتوظيفها؛ دولة قانون وعلم ورقمنة، وجيش واحد، وسيادة واعية.





