
حين استطاعت الصين أن تمدّ السكة الحديد حول صحراء تكلامكان، لم تكن فقط تنفذ مشروعًا هندسيًا في بيئة قاسية، بل كانت تعلن أن الدولة التي تمتلك الرؤية تستطيع أن تقتحم ما يبدو مستحيلًا. وحين يعجز السودان، في المقابل، عن الإفادة المتقنة من بنى تحتية قائمة أو شبه قائمة، فإن الأمر لا يعود مجرد إخفاق إداري عابر، بل يكشف خللًا أعمق في التفكير والسياسات وإدارة الممكن.
هنا تبدأ المفارقة الموجعة: الصين تذهب إلى واحدة من أقسى صحارى العالم، فتخطط وتثبت الرمال وتحمي المسار وتربط المدن وتحول الصحراء إلى ممر اقتصادي، بينما نعجز نحن في السودان عن إحياء ما هو أقرب وأسهل وأوضح: مشروع الجزيرة بما له من أرض وقنوات وخبرة وتاريخ، وخطوط السكة الحديد الموجودة التي كان يمكن أن تُعاد صيانتها وتشغيلها كبداية محدودة ولكن متقنة، والأنهار التي تجري في قلب مدننا وقرانا، ولا تزال عاجزة عن أن تتحول إلى منظومة نقل نهري وإنتاج وريّ وسياحة وخدمات.
فصحراء تكلامكان ليست صحراء عادية؛ فهي من أقسى الصحارى في العالم، بطبيعتها الرملية المتحركة، وعواصفها، وقلة مياهها، وبعدها الداخلي في قلب آسيا، وتطرف مناخها بين حرٍّ شديد وبردٍ قارس. وهي، من وجوه كثيرة، أشد قسوة وتعقيدًا من صحارى واسعة في السودان تمر بها أودية، أو تقترب منها أنهار، أو تتصل بأراضٍ رعوية وزراعية، أو يمكن الوصول إلى أجزاء كبيرة منها بوسائل أقل تعقيدًا. ومع ذلك لم تقل الصين إن الصحراء عائق نهائي، ولم تنتظر أن تصبح الطبيعة سهلة، بل دخلتها بالعقل الهندسي والتخطيط الطويل والنظام الصارم.
ولم يكن مشروعها مجرد قضبان تُمد فوق الرمال، بل صاحبته أعمال لحماية الخط من زحف الكثبان، وتثبيت الرمال، وإنشاء مصدات وأحزمة نباتية، وبناء مقاطع وجسور في مواضع معينة حتى لا تتحول الرمال المتحركة إلى عدو دائم للبنية التحتية. وهنا يظهر الفرق بين دولة تبني المشروع ومعه شروط بقائه، ودولة قد تمتلك المشروع أو بعض مقوماته ثم تتركه للتآكل والإهمال والفوضى.
أما في السودان، فالمؤلم أن المشكلة لا تبدأ من الصحراء البعيدة، بل من الممكن القريب. نحن لا نتحدث أولًا عن اختراق صحارى نائية بخطوط جديدة، بل عن الإفادة مما نملك بين أيدينا: مشروع زراعي عظيم مثل الجزيرة، وسكة حديد عرفت طريقها إلى السودان منذ زمن بعيد، وأنهار قائمة بالطبيعة في قلب البلاد، وموانئ ومراعٍ ومعادن وأراضٍ واسعة ومجتمعات قادرة على العمل إذا وجدت التنظيم والربط والسوق.
ولذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: لماذا لا نفعل غدًا ما فعلته الصين في تكلامكان؟ بل: لماذا لم نبدأ بما هو قائم؟ لماذا لا نعيد تشغيل ما يمكن تشغيله من السكة الحديد؟ لماذا لا تُربط مناطق الإنتاج القائمة بالموانئ والأسواق؟ لماذا لا يعود مشروع الجزيرة إلى موقعه الطبيعي كرافعة إنتاج وطني؟ لماذا لا تتحول الأنهار إلى شرايين نقل وخدمة وريّ واقتصاد؟ ولماذا تبقى الموارد حاضرة، لكنها غير منظمة، وغير مربوطة، وغير داخلة في دورة إنتاج حقيقية؟
إن الخلل في السودان ليس فنيًا وحده، ولا ماليًا وحده، ولا متعلقًا بالحرب وحدها. أصل الخلل أن البيئة العامة نفسها لا تزال مربكة وطاردة ومعطلة. فلا سكة حديد تزدهر في اقتصاد مضطرب، ولا زراعة تتمدد في سوق مقيد، ولا استثمار يدخل بثقة في ظل غموض القوانين، وتعدد الجبايات، وفوضى سعر الصرف، وتدخلات إدارية تطارد النتائج وتترك الأسباب.
ومن هنا تبدأ الحلول، لا من الأمنيات الكبرى، بل من إعلان سياسات إصلاحية جادة لا تكلف في بدايتها إلا الصدق والعزم والجدية. إعلان واضح بأن الدولة ستنتقل من التعطيل إلى التفعيل، ومن التحكم الإداري إلى التنظيم الرشيد، ومن تعدد الجبايات إلى الوضوح، ومن الغموض إلى الشفافية، ومن السوق المختنق إلى السوق المنظم المفتوح.
وأول هذه السياسات تحرير النشاط الاقتصادي، وتبسيط الإجراءات، وتثبيت الحقوق، وحماية المنافسة، ومنع
الاحتكار، ورقمنة المعاملات، وإعلان سعر صرف حر وشفاف وفق العرض والطلب، بحيث يُسحب البساط من السوق الموازي لا بالمطاردة وحدها، بل بإزالة أسبابه، وفتح القنوات الرسمية، وإدخال التعاملات إلى النور، وجعل السعر الواقعي المعلن هو المرجع الطبيعي للتعامل.
هذه الإصلاحات ليست مشروعًا خياليًا يحتاج إلى انتظار طويل، ولا تحتاج في بدايتها إلى مليارات الدولارات، وإنما تحتاج إلى قرار صادق يوقف العبث، ويغلق أبواب الفوضى، ويفتح أبواب العمل. ولا نرى سببًا حقيقيًا يمنع البدء بها إلا مصالح احتكارية تستفيد من الغموض والفوضى، أو عجز القادرين على التمام عن اتخاذ القرار الكامل الذي لا يكتفي بأنصاف الحلول.
وبعد إعلان هذه السياسات، تأتي الخطوة العملية المباشرة: الإفادة مما هو قائم بين أيدينا. يبدأ السودان بمشروع الجزيرة لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه أصلًا إنتاجيًا قابلًا للإحياء. ويبدأ بالسكة الحديد القائمة لا بوصفها أطلالًا، بل بوصفها نواة لربط الإنتاج بالأسواق والموانئ. ويبدأ بالأنهار لا بوصفها منظرًا عابرًا، بل بوصفها شرايين نقل وريّ وخدمة واقتصاد. ويبدأ بالموانئ والطرق ومناطق الإنتاج القائمة، ثم يتوسع بعد ذلك إلى ما هو أكبر.
فإذا صلحت البيئة العامة، وأُعلنت السياسات بوضوح، وبدأت الدولة بإحياء الموجود، فإن التمويل والاستثمار لن يكونا أمنية بعيدة. فالمال يبحث عن البيئة الواضحة، والمستثمر يبحث عن القانون المستقر، والمنتج يحتاج إلى النقل الرخيص، والمزارع يحتاج إلى السوق، والصانع يحتاج إلى المادة الخام والطاقة والتمويل. وعندما يرى المستثمر مشروعًا قائمًا يُدار بجدية، وسكة تتحرك، وسعر صرف واضحًا، وإجراءات مبسطة، وحقوقًا مصانة، فإنه يدخل بثقة أكبر من دخوله في بيئة غامضة تكثر فيها الوعود وتغيب فيها القواعد.
ومن هذه البداية الواقعية يمكن بعد ذلك أن نذهب إلى المشروعات الكبرى: ربط الصحارى، وفتح المسارات الجديدة، وإنشاء مناطق إنتاج وتصنيع على طول خطوط النقل، وربط مناطق التعدين بالمصانع والموانئ، وربط الثروة الحيوانية بالمجازر الحديثة ومصانع الجلود والأعلاف، وتحويل الأطراف البعيدة إلى مراكز إنتاج لا إلى مناطق انتظار.
ولا ينبغي أن نفهم تجربة الصين في تكلامكان على أنها وصفة تُنسخ كما هي، فلكل بلد ظروفه. لكن العبرة في المنهج: الصين لم تبدأ من الشكوى، بل من التخطيط. لم تنتظر أن تختفي الصحراء، بل أدارت الصحراء. لم تنظر إلى الرمل كقدر نهائي، بل تعاملت معه كتحدٍّ قابل للحل. أما نحن في السودان، فمشكلتنا الكبرى أننا كثيرًا ما نترك الممكن القريب حتى يضيع، ثم نتحدث عن المستحيل البعيد كأنه هو وحده العائق.
إن درس تكلامكان ليس أن الصين بنت قطارًا حول صحراء قاسية فحسب، بل أن الدولة حين تمتلك رؤية تستطيع أن تجعل الرمل طريقًا، والبعد قربًا، والهامش مركزًا، والصحراء جزءًا من الاقتصاد. ودرس السودان، في المقابل، أن الموارد وحدها لا تنهض ببلد إذا غابت السياسات، وأن الجغرافيا لا تتحول إلى قوة إذا تُركت بلا ربط، وأن البنى القائمة نفسها تضيع إذا لم تجد عقلًا يديرها ويحميها ويطوّرها.
ولذلك فإن نهضة السودان لا تبدأ من الكلام الكبير والكثير، بل من قرار واضح: إصلاح البيئة أولًا، إحياء الموجود ثانيًا، ثم جذب الاستثمار والتمويل للمشروعات الكبرى ثالثًا. بهذه البساطة في الترتيب، وبهذه الترتيبات العملية، لا تعود النهضة أمنية بعيدة، بل تصبح مسارًا ممكنًا يبدأ مما بين أيدينا.
ومن هنا فإن كل معالجة فردية أو جمعية أو قطاعية تسعى إلى إصلاح التعليم أو الصحة أو التنمية المحلية أو الزراعة أو الصناعة أو غيرها بمعزل عن هذا التصور الثلاثي، لن تبلغ ثمرة راسخة متطورة، حتى إن أصابت شيئًا من النجاح المؤقت. فقد تنجح مبادرة هنا، أو يتحسن مرفق هناك، أو ينهض مشروع محدود في موضع بعينه، لكن ذلك سيبقى معرضًا للتراجع والتلاشي ما لم تسنده بيئة عامة صحيحة، وموجودات وطنية مفعّلة، ومسار استثماري وتمويلي يربط الجزئيات بالمشروع الكلي للنهضة.
فليست الصحراء هي المشكلة، ولا البعد هو العائق، ولا قلة الموارد هي أصل الداء. المشكلة أن تغيب الرؤية، وتتأخر السياسات، وتتغلب المصالح الضيقة، ويبقى الممكن بين أيدينا ضائعًا. فإذا حضرت الجدية، وأُعلنت السياسات الصادقة، وأُطلقت طاقة الناس، وأُعيد الاعتبار لما نملك، فإن السودان قادر على أن يحوّل اتساعه من عبء إلى ميزة، وصحاريه من فراغ إلى ممرات إنتاج، ومشاريعه المعطلة من شواهد عجز إلى بدايات نهضة.





