مقالات

الجنيه السوداني… من خمسة وثلاثين قرشًا إلى ملايين الجنيهات (١ من ٥)

بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

حين نعود إلى تاريخ الجنيه السوداني منذ الاستقلال عام ١٩٥٦، لا نقرأ مجرد أرقام تتغير في مقابل الدولار، وإنما نقرأ جانبًا مهمًا من تاريخ الاقتصاد السوداني، بما شهده من تحولات في الإنتاج والتجارة والسياسات المالية والنقدية، وفترات الاستقرار والاضطراب. فقيمة العملة لا تنفصل عن واقع الاقتصاد، وقدرته على الإنتاج وتوفير النقد الأجنبي، ومدى الثقة في مؤسساته وسياساته.
عند الاستقلال، كان الدولار يعادل نحو خمسة وثلاثين قرشًا بالسعر الرسمي، أي إن الجنيه السوداني كان يعادل نحو ٢٫٨٦ دولار. غير أن هذه القيمة الاسمية لا تعني أن الاقتصاد السوداني كان أقوى من الاقتصاد الأمريكي، أو أن مستوى المعيشة كان أفضل؛ فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بسعر الصرف وحده، وإنما بالإنتاج والدخل والأسعار والقوة الشرائية.

وظل السعر الرسمي للجنيه مستقرًا نسبيًا خلال الستينيات ومعظم السبعينيات، بينما بدأت تظهر فروق بينه وبين السعر المتداول خارج القنوات الرسمية. ثم شهدت أواخر السبعينيات والثمانينيات تعديلات متلاحقة في أسعار الصرف، وتسارع تراجع العملة مع تفاقم الاختلالات الاقتصادية وتزايد الحاجة إلى النقد الأجنبي.
وفي التسعينيات، تواصل تراجع الجنيه، وشهد النظام النقدي تحولًا مهمًا بإدخال الدينار السوداني عام ١٩٩٢، بحيث يعادل الدينار عشرة جنيهات من العملة الأصلية. ثم اكتمل الانتقال إلى الدينار عام ١٩٩٩، قبل العودة إلى الجنيه بوحدة جديدة عام ٢٠٠٧، يعادل الواحد منها مائة دينار، أو ألف جنيه أصلي. وبذلك حُذفت ثلاثة أصفار من الوحدة النقدية عبر المرحلتين، دون أن يترتب على ذلك، في حد ذاته، تغير في القوة الشرائية.

غير أن رحلة الجنيه لم تكن تراجعًا متصلًا؛ فقد شهد السودان في أواخر التسعينيات إصلاحات في سوق الصرف، أعقبها بدء تصدير النفط عام ١٩٩٩، مما عزز موارد النقد الأجنبي وأسهم في تقارب السعرين الرسمي والموازي خلال سنوات من العقد الأول للألفية الجديدة.
ثم جاء انفصال جنوب السودان عام ٢٠١١، ففقد السودان معظم إنتاجه النفطي وإيراداته المرتبطة به، وتعرضت موارده من النقد الأجنبي لضغوط كبيرة. وتفاقمت الاختلالات الاقتصادية خلال السنوات التالية، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في أبريل ٢٠٢٣، وما أحدثته من تعطيل واسع للإنتاج والتجارة والخدمات.

وبحلول أكتوبر ٢٠٢٦، تشير التقديرات المستخدمة في هذا السجل التاريخي إلى أن الدولار بلغ نحو ٨٬٨٠٠ جنيه بالسوق الموازية، تعادل ثمانية ملايين وثمانمائة ألف جنيه من العملة الأصلية قبل حذف الأصفار الثلاثة. وهذه مقارنة اسمية بين وحدتين نقديتين، وليست مقياسًا مباشرًا للتضخم أو لتراجع القوة الشرائية خلال سبعين عامًا.
واللافت في هذه الرحلة ليس ضخامة الأرقام وحدها، وإنما ما تكشفه من ارتباط قيمة العملة بتحولات الاقتصاد وموارده وسياساته. فقد مر الجنيه بفترات استقرار نسبي وأخرى من التراجع المتسارع، وتغيرت وحدته النقدية أكثر من مرة، بينما ظل استقرار قيمته مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي والمحافظة على التوازن والثقة.

وهكذا فإن تاريخ الجنيه السوداني ليس مجرد حكاية عملة تغيرت أسماؤها وأرقامها، وإنما سجل لتحولات اقتصادية عميقة، تستحق دراسة أسبابها ونتائجها واستخلاص الدروس منها.
وإذا كانت هذه الرحلة قد كشفت كيف تغيرت قيمة الجنيه عبر سبعين عامًا، فإنها تطرح سؤالًا آخر: لماذا أصبح للدولار سعر رسمي وآخر موازٍ، وكيف تحول الفرق بينهما إلى أحد أبرز مظاهر الاختلال الاقتصادي؟ هذا ما نتناوله في مقالنا القادم بعنوان: «الجنيه السوداني… حين يتعدد سعر الدولار وتضيع حقيقة القيمة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى