شيكان تتربع على القمة.. ونتيجة الشهادة الابتدائية بشمال كردفان تكتب ملحمة انتصار التعليم على الحرب
همس البوادي|سعاد سلامة

ليست كل النتائج أرقاما تكتب على الورق ثم تمضي إلى الأرشيف فهناك نتائج تتحول إلى مواقف وطنية خالدة وإلى رسائل قوية تقول إن الشعوب الحية لا تستسلم وإن الأمم العظيمة تعرف كيف تصنع النجاح حتى في أصعب الظروف. وما أعلنته ولاية شمال كردفان من نتائج الشهادة الابتدائية للعام المسرع بنسبة نجاح تجاوزت 88% يندرج ضمن هذا النوع من الإنجازات التي تستحق الوقوف عندها كثيرا.
هذه النتيجة لم تولد داخل قاعات الامتحانات وحدها بل ولدت من رحم المعاناة والصبر والإصرار. ولدت من معلمين رفضوا التراجع عن أداء رسالتهم ومن أسر تمسكت بحق أبنائها في التعليم ومن مؤسسات آمنت بأن بناء الإنسان لا يحتمل التأجيل مهما كانت الظروف.
لقد أثبتت شمال كردفان أن التعليم لا يمكن أن يكون ضحية للأزمات بل يمكن أن يكون السلاح الأقوى في مواجهتها. وبينما انشغل كثيرون بقراءة التحديات كانت الولاية تكتب قصة مختلفة عنوانها الإرادة والعمل والإنجاز.
ويبرز في هذا المشهد اسم الأستاذ وليد محمد الحسن مدير عام وزارة التربية والتوجيه والوزير المكلف الذي قاد ملف التعليم بعقلية المسؤول المؤمن برسالته وظل حاضرا في تفاصيل العملية التعليمية من التخطيط إلى التنفيذ والمتابعة حتى لحظة إعلان النتيجة. وقد أثبت الرجل أن القيادة الحقيقية لا تقاس بالتصريحات وإنما بالنتائج وأن المؤسسات الناجحة هي التي تمتلك إرادة الإنجاز قبل الإمكانات. وما تحقق اليوم يحمل بصمات واضحة لجهد متصل وعمل دؤوب قادته الوزارة بقيادته وسط ظروف بالغة التعقيد.
ولعل أكبر ما يحسب لوزارة التربية والتوجيه أنها لم تجعل الظروف شماعة تعلق عليها الإخفاقات بل حولت التحديات إلى دافع للعمل فأعادت الأمل إلى آلاف التلاميذ وأسرهم وأكدت أن التعليم سيظل أولوية لا تقبل التراجع.
وفي قلب هذا الإنجاز وقفت محلية شيكان شامخة كعادتها وهي تتصدر المشهد التعليمي على مستوى الولاية ليس فقط في نسب التحصيل بل في صناعة التفوق نفسه. فجاءت التلميذة آية فاروق إبراهيم محمد أحمد في المرتبة الأولى على مستوى الولاية بدرجة 279 بينما فرضت شيكان حضورها القوي بين المائة الأوائل لتؤكد أن الريادة ليست حدثا عابرا وإنما مشروع عمل متواصل.
ويستحق المدير التنفيذي لمحلية شيكان الأستاذ عبد الناصر عبد الله كل الإشادة وهو يواصل دعمه اللامحدود للتعليم وإسناده للمؤسسات التربوية إدراكا منه أن المدارس ليست مباني وإنما مصانع للعقول وحصون للمستقبل. كما تستحق إدارة التعليم بالمحلية بقيادة الأستاذ أمين محمد عبد المحمود الثناء على الجهود الكبيرة التي جعلت من شيكان عنوانا للتفوق والتميز.
إن ما تحقق اليوم هو انتصار للمعلم قبل الطالب وانتصار للفكرة قبل النتيجة وانتصار للإرادة قبل الأرقام. وهو أيضا رسالة قوية لكل من يظن أن التحديات قادرة على إيقاف مسيرة العلم. فشمال كردفان أثبتت أن التعليم يمكن أن يشق طريقه حتى وسط العواصف وأن المدارس قادرة على أن تظل مضيئة مهما اشتدت الظلمات.
والتحية للقوات المسلحة والقوات المساندة لها والأجهزة الأمنية التي أسهمت في توفير الأمن والاستقرار وحماية العملية التعليمية فالأوطان لا تبنى إلا عندما يتقدم حراس الأرض وحراس المعرفة في صف واحد.
إن النسبة التي أعلنتها وزارة التربية والتوجيه ليست مجرد نجاح أكاديمي بل إعلان انتصار لمشروع كامل عنوانه بناء الإنسان. وهي رسالة تقول إن شمال كردفان لا تنتظر المستقبل بل تصنعه ولا تكتفي بمواجهة التحديات بل تهزمها ولا تسمح للظروف أن تفرض عليها التراجع لأنها اختارت أن يكون العلم رايتها الدائمة.
فاصلة
واليوم ترفع شمال كردفان رأسها عاليا وهي تقدم نموذجا وطنيا يستحق الاحتفاء. فحين تتفوق المدارس ينتصر الوطن وحين ينجح التلاميذ ينجح المستقبل وحين تتمسك المجتمعات بالتعليم فإنها تكتب شهادة ميلاد جديدة للأمل. وما حدث في هذه الولاية ليس مجرد إعلان نتيجة امتحان بل إعلان مدو بأن معركة البناء قد حسمت كلمتها وأن راية العلم ستظل أعلى من كل التحديات وأبقى من كل الأزمات.
اللهم أمنا في أوطاننا





