مقالات

أفلا يتدبرون القرآن (1 من …): رحلة الإنسان بين البيان القرآني وعلم الأجنة

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

يفتح القرآن أمام الإنسان بابًا للتأمل في أقرب آيات الله إليه: نفسه، فيعرض رحلة خلقه في كلمات قليلة بالغة الإيجاز. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ ۝ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ۝ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
تبدأ الرحلة بـ**﴿سُلَالَةٍ مِن طِينٍ﴾**، والسلالة خلاصة ما يُستخرج من الشيء. وقد وصف القرآن أصل خلق الإنسان بالتراب والطين وأحواله المختلفة، فقال: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾، و﴿مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، و﴿مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. وتكشف الكيمياء الحديثة أن العناصر التي يتكون منها جسم الإنسان هي نفسها من العناصر المعروفة في الماء والتراب والطين الطبيعي؛ وإنما يختلف الجسد في نسبها ومركباتها وطريقة تنظيمها. وتبين دراسات الجيولوجيا الطبية (Medical Geology) أن أحد عشر عنصرًا تكوّن نحو 99.9% من الجسم، ثم توجد عناصر نَزْرة بكميات ضئيلة مثل الحديد والزنك والنحاس واليود والسيلينيوم. فالعلم لا يجد «عنصرًا بشريًا» خاصًا، بل عناصر مألوفة ينشئ الله منها جسدًا يسمع ويبصر ويعقل.

ثم يقول تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾، ويقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾؛ والأمشاج الأخلاط الممتزجة. ويبدأ الإنسان الجديد باتحاد الحيوان المنوي من الأب بالبويضة من الأم، فتتكون اللاقحة التي تجمع المادة الوراثية منهما، ثم تنقسم حتى تتكون التوتية، ثم الكيسة الأريمية المهيأة للانغراس في الرحم. وهذا من أساسيات مرجع «الإنسان النامي» (The Developing Human) في طبعته الثانية عشرة الصادرة عن إلسفير (Elsevier) عام 2024. وهكذا يلتقي معنى «أمشاج» مع حقيقة أن بداية الإنسان تقوم على امتزاج المادة الوراثية من أبويه.
ثم ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. تصل الكيسة الأريمية إلى الرحم، فتلتصق ببطانته وتنغرس فيها، ثم تتطور المشيمة والأغشية التي تحفظ الحمل وتؤمّن التبادل بين الأم والجنين. فالقرار موضع الاستقرار، والمكين القوي المحكم.
ثم ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. و«علقة» تدل في العربية على التعلق، والعَلَق كائن يتعلق بمضيفه. والجنين في هذه المرحلة يكون متعلقًا ببطانة الرحم. وفي المرحلة الحادية عشرة من مراحل كارنيغي (Carnegie Stages)، نحو الأيام 23 إلى 26، يكون صغيرًا منحنياً ممدودًا. وقد أشار عالم التشريح والأجنة الكندي كيث ل. مور (Keith L. Moore) إلى شبه هيئته بالعَلَق في دراسة نشرها عام 1986 عن الإشارات الجنينية في القرآن. وهكذا تجمع الكلمة معنى التعلق وهيئة تستحضر صورة العَلَق.

مقالات ذات صلة

ثم ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾. والمضغة قطعة صغيرة بقدر ما يُمضغ. وفي الأسبوع الرابع تظهر على جانبي الجنين القُسَيْمات الجسدية (Somites)، وهي كتل نسيجية متتابعة ينشأ منها لاحقًا بعض مكونات الفقرات والعضلات والجلد. ويعطي تتابعها هيئة تذكّر بعلامات الأسنان في قطعة ممضوغة، وهي مقارنة أشار إليها كيث مور أيضًا.
ويقول تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. والمخلَّق ما أخذ في التصوير والتكوين. ويبين علم الأجنة أن الأنسجة والأعضاء لا تتشكل كلها في اللحظة نفسها؛ فبعضها يكون قد تقدم في التكوين، بينما يكون بعضها في مرحلة أبكر. وهذا يجعل العبارة جديرة بالتدبر أمام تفاوت درجات التكوين داخل الجنين.

ثم يقول سبحانه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾. تبدأ الخلايا المنشئة للهيكل في التخصص، وتتكون نماذج أولية يكون كثير منها غضروفيًا، ثم يبدأ تكوين النسيج العظمي. وفي الوقت نفسه تتطور العضلات والهيكل في ترابط وتداخل، وتحيط الكتل العضلية بعناصر الهيكل النامي. ومن هنا تبدو دلالة «كسونا» واضحة: هيكل داخلي تحيط به العضلات والأنسجة.
ويلفت النظر كذلك نسق العطف في الآية: ﴿فَخَلَقْنَا… فَخَلَقْنَا… فَكَسَوْنَا… ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. فالفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، بينما تفيد «ثم» الترتيب مع التراخي. وتوالي الفاءات ينسجم مع سرعة التحولات وتقاربها وتداخلها في مرحلة التكوين الجنيني؛ فبناء الهيكل والعضلات والأعصاب والأوعية يجري في مدد متقاربة ومتداخلة.
ثم تتغير أداة العطف والفعل معًا: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. فلم يستمر السياق في تعداد الأجزاء، بل انتقل إلى وصف أوسع. و«أنشأناه» تحمل معنى الإحداث والتنمية والإخراج إلى هيئة جديدة. وخلال الأسابيع الثمانية الأولى ينتقل الجنين من خلية واحدة إلى جسم متعدد الأنسجة والأعضاء، تظهر فيه معالم الرأس والوجه والجذع والأطراف والأصابع، وتوضع الأسس الكبرى لأجهزة الجسم.

ويلخص القرآن هذه الرحلة بقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. وقد تعددت عبارات المفسرين في «الظلمات الثلاث»، ودارت حول الحجب التي يستتر فيها الجنين، بينما تبقى الحقيقة المشاهدة أن أطوار تكوينه كلها تجري مستورة داخل جسم الأم.
وهكذا تعرض كلمات قليلة: السلالة، والنطفة، والأمشاج، والقرار المكين، والعلقة، والمضغة، والمخلقة وغير المخلقة، والعظام وكسوتها باللحم، ثم الخلق الآخر، رحلةً يشرح العلم الحديث تفاصيلها اليوم في كتب ومراجع كثيرة. وقد احتاج الإنسان إلى قرون من التشريح، ثم إلى المجاهر وعلم الخلايا والأنسجة والتصوير ودراسة الأجنة، حتى يتعرف إلى دقائق هذه الرحلة، بينما عرض القرآن أصولها في عبارات موجزة بالغة الدلالة. وكلما اتسعت معرفة الإنسان بتكوينه، اتسع أمامه مجال التدبر فيها. فحق أن يختم هذا المشهد بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، وأن يقول سبحانه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى