
وطن البطيخ الأصلي وشجرة نسبه التاريخية كانا محط اهتمام واسع لدى العلماء والمختصين؛ إذ قطع هذا النبات رحلة طويلة ومعقدة عبر الزمن من أصوله البرية التي نمت في الصحاري القاحلة حتى صار فاكهة صيفية شهيرة. وتؤكد الأبحاث العلمية المتقدمة والدراسات الجينية الحديثة أن السلف البري الأقرب للبطيخ المزروع اليوم هو “بطيخ كردفان” الأصلي في أراضي السودان والنوبة القديمة، حيث تم استئناسه الأول قبل انتقاله عبر النيل إلى مصر وشمال أفريقيا.
وكان الاعتقاد السائد يرجع الأصول إلى نبات الحنظل، إلا أن دراسة جينية بارزة جرت عام 2021 أثبتت وجود جذر وراثي مشترك يربط البطيخ المزروع ببطيخ كردفان وبطيخ تساما في صحراء كالاهاري. ومع مرور الوقت، اعتمد الإنسان على التهجين الانتقائي للتحول من الثمار المرة ذات اللب الأبيض إلى ثمار حلوة غنية بصبغة “الليكوبين” الحمراء، وهو ما جعل معرفة وطن البطيخ الأصلي مفتاحاً لفهم تطور الزراعة القديمة.
محطات تاريخية كشفت أسرار وطن البطيخ الأصلي وتطوره الجيني
وتشير الآثار التاريخية إلى أن البطيخ زرع في مصر القديمة منذ عصر الدولة الوسطى بالقرن العشرين قبل الميلاد، وعثر على بذوره في مقبرة الملك توت عنخ آمون كغذاء للرحلة الآخروية. وفي ليبيا، أثبت اكتشاف أثري يعود لنحو 6000 عام في موقع “وان موهوجاج” بتدرارت أكاكوس أن السكان القدامى استهلكوا بذور البطيخ المر للتخزين والغذاء، طبقاً لدراسة جينومية نشرت عام 2022 أظهرت حدوث طفرات جينية ألغت المرارة وعززت حلاوة اللب ولونه الأحمر المألوف.
ومن منطقة حوض النيل وشمال أفريقيا، انتشرت زراعة الفاكهة إلى الشام والجزيرة العربية وبغداد، وصولاً إلى شبه القارة الهندية والصين في القرن العاشر الميلادي حيث سمي بـ “بطيخ الغرب”. كما انتقل إلى أوروبا عبر الفتوحات الإسلامية في الأندلس وإيطاليا، لتتطور زراعته إلى أكثر من 1200 صنف تتنوع ألوانها بين الأحمر والأصفر والوردي، مستندة في جذورها الأولى إلى وطن البطيخ الأصلي في أراضي كردفان والنوبة.





