
لا تُقاس قوة الاقتصاد أو ضعفه بارتفاع سعر الدولار أو انخفاضه وحدهما، وإنما بقدرته على الإنتاج وتوفير السلع والخدمات، وخلق فرص العمل، وتوليد الدخول التي تمكّن الناس من تلبية احتياجاتهم والوفاء بمتطلبات معيشتهم. فقد يرتفع الدولار أضعافًا وتظل الأسواق عامرة، والمصانع منتجة، والمزارع مزدهرة، ووسائل النقل تعمل، والناس يمارسون أعمالهم ويكسبون أرزاقهم. وقد ينخفض سعره بينما تتعطل الأنشطة، وتندر السلع، وتتراجع الدخول، وتتسع البطالة. ولا ريب أن استمرار الحياة الاقتصادية في الحالة الأولى خير من انخفاض سعر الدولار في الحالة الثانية.
ولنتأمل رحلة الدولار أمام الجنيه السوداني؛ فقد كان يعادل نحو ٣٥ قرشًا في أواخر خمسينيات القرن الماضي، ثم ارتفع عبر العقود حتى بلغ في أكتوبر ٢٠٢٦ نحو عشرة آلاف جنيه بالعملة الحالية، أي عشرة ملايين جنيه بالعملة القديمة، بعد مراعاة التغييرات التي طرأت على وحدات النقد السوداني وما صاحبها من حذف للأصفار. وهذا يعني أن سعر الدولار ارتفع اسميًا إلى أكثر من ٢٨ مليون ضعف مستواه قبل نحو سبعين عامًا. إنها قفزة هائلة تكاد لا تُصدَّق، تكشف ضخامة التدهور التاريخي في سعر صرف الجنيه السوداني.
وإذا افترضنا استمرار الاتجاه التاريخي نفسه في ارتفاع سعر الدولار خلال السنوات العشر المقبلة، فقد نرى أرقامًا تفوق مستوياته الحالية بأضعاف عديدة. وليس ذلك تنبؤًا اقتصاديًا، وإنما افتراض يوضح ضخامة ما يمكن أن تبلغه الأرقام. ومع ذلك، هل توقفت الحياة طوال العقود الماضية؟ وهل كف الناس عن الزراعة والصناعة والتجارة والبناء والتنقل وكسب أرزاقهم كلما تضاعف سعر الدولار؟ لقد استمرت الحياة، وإن تفاوتت أحوال الناس والاقتصاد بين فترات ازدهار وتراجع، وتبدلت الأسعار والدخول وتكاليف المعيشة مرات لا تحصى. فهل يكون المطلوب في المستقبل وقف الإنتاج والتجارة والمواصلات ومصادر أرزاق الناس حتى لا يرتفع الدولار، أم استمرار حركة الحياة والعمل على معالجة جذور الاختلال التي أضعفت العملة والاقتصاد معًا؟
إن القضية ليست في عدد الأصفار التي تضاف إلى سعر الدولار، وإنما في مقدار ما ينتجه الاقتصاد، وما يوفره من سلع وخدمات وفرص عمل ودخول حقيقية. وارتفاع الدولار ليس أمرًا محمودًا في ذاته؛ فهو يرفع تكلفة الواردات ويضغط على القوة الشرائية، خصوصًا لدى أصحاب الدخول الثابتة. غير أن معالجة آثاره لا تكون بسياسات تزيد ندرة السلع وتعطل الأعمال فوق ما يعانيه الاقتصاد أصلًا من اختلالات.
فالمعيار الذي يهم المواطن في نهاية المطاف ليس مجرد ارتفاع سعر الدولار أو انخفاضه، وإنما أن يجد عملًا منتجًا يدرّ عليه دخلًا يكفيه وأسرته لحياة كريمة، ويواكب ما يطرأ على الأسعار وتكاليف المعيشة من تغيرات، ولو ارتفع سعر الدولار أضعافًا. فما الذي يجنيه المواطن من انخفاض الدولار إذا فقد عمله ومصدر رزقه، أو أصبح دخله عاجزًا عن توفير ضروريات حياته؟ وما الذي يضيره من ارتفاعه بالقدر نفسه إذا ظل عمله قائمًا ودخله الحقيقي محفوظًا، يستطيع به تلبية احتياجاته والعيش بكرامة؟ إن العبرة ليست بالرقم الذي يبلغه سعر الصرف، وإنما بما يستطيع المواطن إنتاجه وكسبه وشراءه بذلك الكسب؛ فالدخل الحقيقي وفرص العمل وتوافر السلع والخدمات هي المقاييس التي تنعكس مباشرة على معيشته، لا سعر الدولار بمعزل عنها.
وقد يكون انخفاض قيمة العملة جزءًا من سياسة اقتصادية مقصودة لتعزيز تنافسية الصادرات وتشجيع الإنتاج المحلي، ضمن سياسة متوازنة تراعي التضخم والقوة الشرائية، وقد يكون نتيجة اختلالات تتجلى في ضعف الإنتاج والاستثمار والصادرات واضطراب السياسات. وفي الحالة الثانية يصبح ارتفاع الدولار أحد أعراض الخلل، لا أصل المشكلة.
وأمام هذا الواقع، الذي تتجلى كثير من مظاهره في حال اقتصادنا السوداني اليوم، يمكن التمييز بين ثلاثة خيارات اقتصادية تتفاوت في منطلقاتها وآثارها ونتائجها.
أما الخيار الأول، فهو مطاردة الدولار ومحاولة كبح ارتفاعه بالقيود الإدارية والأمنية، وتقييد التعاملات والتجارة والاستيراد، بما يعرقل انسياب الوقود والغذاء ومواد البناء ومدخلات الزراعة والصناعة والمعدات والآليات وسائر مستلزمات الحياة والإنتاج. وهنا تظل الاختلالات الاقتصادية الأساسية قائمة، بينما تضاف إليها أضرار القيود التي تعطل الأنشطة وتزيد الندرة وترفع تكاليف التشغيل.
وما يعانيه الناس اليوم يقدم مثالًا عمليًا على خطورة خنق النشاط الاقتصادي؛ فشح الوقود وتعثر وصوله إلى مواقع الإنتاج، بفعل القيود والاحتكارات الناعمة التي تحدّ من المنافسة وتقيّد انسياب السلع، والتعقيدات الإدارية واضطرابات الإمداد وغيرها من الظروف، أضر بالزرع والضرع، وعطّل مصانع قائمة على قلتها، وأوقف أنشطة في قطاع التعدين وما يرتبط بها من نقل وتجارة وخدمات. ولم تقف الأضرار عند مصادر الرزق، بل وصلت إلى تعطل المواصلات، حتى عن قضاء ضرورات الناس القصوى، كالوصول إلى العلاج والتعليم.
بل اضطر كثيرون إلى شراء الوقود بأسعار مضاعفة، قد تفوق ما كان سيبلغه سعره لو توافرت إمداداته وانساب بحرية، حتى مع احتسابه بسعر الدولار المرتفع؛ اتقاءً لأضرار أشد من فقدانه، قد تبلغ هلاك الزرع والضرع، أو توقف مصدر الرزق، أو تعذر الوصول إلى العلاج؛ فالمزارع الذي تتوقف طلمبته يتعطل إنتاجه، وتتأثر معه أعمال الحصاد والنقل والتخزين والتجارة، والمصنع الذي يفقد الوقود أو المواد الخام يتوقف عماله وموردوه وموزعوه، وتتسع دائرة التعطل من نشاط إلى آخر. ومع انحسار الإيرادات يعجز أصحاب أعمال عن الوفاء بمرتبات العاملين والتزاماتهم، وتتراجع موارد الدولة من الضرائب والجمارك والرسوم المرتبطة بالإنتاج والتجارة والخدمات. وهكذا قد تصبح ندرة الوقود أشد ضررًا من ارتفاع سعره مع توافره، لأن خسائر التعطل قد تفوق كثيرًا الزيادة التي كانت ستترتب على إتاحته وفق أسعار السوق.
وكلما ضاقت فرص الاستثمار والعمل داخل البلاد، واشتدت المخاوف على قيمة المدخرات، اندفع بعض أصحاب الأموال إلى شراء الدولار لاكتنازه أو تحويل أموالهم إلى الخارج بحثًا عن ملاذ أكثر استقرارًا، وقد يلجأ بعضهم إلى التهريب.
ومع اتساع البطالة والفقر تتفاقم الضغوط الاجتماعية، وتتهيأ ظروف تساعد على انتشار الجريمة والاتجار بالمخدرات وتعاطيها، بينما تشجع ندرة السلع وفوارق أسعارها على التهريب والمضاربة، فتزداد الاختلالات التي كان يُراد علاجها.
وهكذا قد تجتمع على الاقتصاد أضرار متلاحقة: توقف الإنتاج، وتعطل الأعمال، وعجز المؤسسات عن دفع الأجور، وانحسار موارد الدولة، وهروب رؤوس الأموال، واتساع البطالة، وندرة السلع وتضاعف أسعارها، وتنامي التهريب والجريمة؛ حتى يمتد الخراب إلى الحرث والنسل، وتتهيأ بذلك ظروف ما يُعرف اقتصاديًا بالركود التضخمي (Stagflation)، حيث يتزامن ركود النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة مع استمرار ارتفاع الأسعار.
والأعجب أن هذه الإجراءات، التي يُراد بها كبح ارتفاع سعر الدولار، قد تأتي بنتائج معاكسة تمامًا؛ فإلى جانب أضرارها الاقتصادية والاجتماعية، قد تسهم في تسارع ارتفاعه بدلًا من انخفاضه، إذ تؤدي ندرة السلع وتعطل الأنشطة وتزايد المخاوف بشأن المستقبل إلى اتساع حالة الهلع وفقدان الثقة في العملة المحلية، فيندفع مزيد من الأفراد والمؤسسات إلى شراء الدولار واكتنازه تحسبًا لمزيد من التدهور. وهكذا يتسع الطلب عليه، بينما تتراجع مصادر النقد الأجنبي بتعطل الإنتاج والصادرات والاستثمار، فتزداد الضغوط على سعر الصرف، وتصبح الإجراءات المتخذة لإنقاذ العملة نفسها عاملًا إضافيًا في إضعافها، وهو ما شهدنا مظاهره ماثلةً أمام أعيننا خلال الأيام الماضية.
والمفارقة أن سعر الدولار قد ينخفض لاحقًا، لا لأن الاقتصاد تعافى أو العملة استعادت قوتها، وإنما لانهيار الطلب على الاستيراد وتراجع القدرة الشرائية، متى غلب أثر ذلك على العوامل التي تدفع سعر الدولار إلى الارتفاع. فما قيمة انخفاض الدولار إذا لم يعد المواطن قادرًا على شراء السلع، ولا التاجر قادرًا على استيرادها، ولا المنتج قادرًا على تشغيل نشاطه، ولا الدولة قادرة على تسيير دولاب العمل في مؤسساتها، والوفاء بالتزاماتها، وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها؟ إن انخفاض سعر الدولار الناتج عن انكماش الاقتصاد وانهيار الطلب ليس انتصارًا اقتصاديًا، بل قد يكون شاهدًا على عمق الأزمة.
فالاقتصاد شبكة مترابطة، يعتمد فيها المنتج على المورد والناقل والممول والتاجر والمستهلك، وتعطل أي نشاط ينتقل أثره إلى الأنشطة المرتبطة به. وقد تنجح القيود مؤقتًا في تقليص التعاملات الظاهرة بالدولار أو إظهار سعر رسمي أقل من السعر الفعلي، لكنها لا تخلق النقد الأجنبي ولا تزيد الإنتاج والصادرات، بل قد تدفع التعاملات إلى قنوات أقل شفافية.
أما الخيار الثاني، فهو إطلاق الأنشطة الاقتصادية وترك سعر الدولار للعرض والطلب، رغم استمرار اختلال البيئة العامة. وفيه لا تستنزف الدولة جهودها ومواردها في ملاحقة المتعاملين بالنقد الأجنبي، في سوق يصعب إخضاعها للسيطرة بالقيود والعقوبات مهما بلغت شدتها؛ فقد شهد السودان في مراحل سابقة عقوبات وصلت إلى الإعدام في جرائم تتعلق بالتعامل بالنقد الأجنبي، دون أن تنجح تلك الشدة في إنهاء السوق الموازية أو معالجة أسباب وجودها.
وبدلًا من ذلك، تترك الدولة سعر الدولار يتحدد وفق العرض والطلب، حتى في السوق الموازية القائمة، وتفسح المجال لآليات السوق لتوفير الوقود والغذاء ومواد البناء والمعدات والآليات وسائر مستلزمات الحياة والإنتاج، وذلك إلى حين الشروع الجاد في الخيار الثالث الذي سنعرضه لاحقًا، وهو الإصلاح الشامل للبيئة الاقتصادية، الذي أراه الحل الجذري الأمثل، وتحار نفسي في إدراك أسباب استمرار تأخر الأخذ به، رغم ما يمكن أن يحققه من منافع عظيمة للاقتصاد والدولة والمواطن.
ويقتضي هذا الخيار فتح باب الاستيراد لجميع السلع والمواد والمعدات والآليات، باستثناء المحرمات وما ثبت ضرره على صحة الإنسان أو البيئة، وإتاحة الاستيراد لكل من يحمل ترخيصًا تجاريًا رسميًا، سواء مارس نشاطه من خلال مؤسسة أو شركة أو اسم عمل مسجل، دون حصره في جهات بعينها أو منحه لأصحاب امتيازات استثنائية. ويشمل ذلك جميع مواد الطاقة، من بنزين وديزل وغاز وغيرها، دون فرض شروط مالية تقييدية، كإلزام المستوردين بإيداع مبالغ نقدية أو ضمانات ذهبية لدى بنك السودان أو غيره من مؤسسات الدولة، متى كانت تلك الشروط لا تتعلق بسلامة السلعة أو الوفاء بالتزامات قانونية محددة، وإنما تؤدي عمليًا إلى إقصاء المنافسين وحصر الاستيراد في أيدي قلة، فتفتح أبواب الاحتكار الصريح أو الناعم.
ولا أرى مسوغًا للتخوف من فتح باب استيراد جميع السلع، بما فيها ما يُصنَّف ضمن الكماليات؛ إذ إن الطلب على هذه السلع يرتبط في الغالب بشريحة محدودة من المستهلكين، ويتسع مع نمو الاقتصاد وارتفاع الدخول، بينما تظل السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج هي الأوسع انتشارًا والأكثر استهلاكًا للنقد الأجنبي. كما أن استيراد الكماليات وتداولها يحرّك أنشطة اقتصادية متعددة، تشمل التجارة والنقل والتخزين والتوزيع والصيانة والخدمات، ويوفر فرصًا للعمل والكسب وإيرادات للدولة. ثم إن حظر استيرادها لا يضمن منع دخولها، بل قد يدفع بعضها إلى التهريب بأسعار أعلى، ويحرم الدولة من إيراداتها ويشجع الأسواق غير المشروعة. وقد يشكل الحظر كذلك عائقًا أمام دخول فئات من المستثمرين وأصحاب الأعمال الذين تتصل أنشطتهم بهذه السلع والخدمات المرتبطة بها، فتفقد البلاد فرصًا للاستثمار والتشغيل قد تتجاوز منافع المنع. وليس من الحكمة التضحية بهذه الفرص لمجرد تصنيف بعض السلع بأنها كمالية، ما دامت مشروعة ومستوفية للمواصفات والاشتراطات اللازمة.
وينبغي كذلك إتاحة جميع وسائل الاستيراد والتسوية التجارية المشروعة، بما فيها الاعتمادات المستندية المعززة (Confirmed Letters of Credit)، والدفع مقابل المستندات (Cash Against Documents – CAD)، والاستيراد دون تحويل قيمة من الجهاز المصرفي المحلي (Nil Value)، وفق طبيعة المعاملة واتفاق طرفيها، دون إلزام الجميع بطريقة واحدة أو اشتراط تمويل مصرفي لا يتوافر لكثير من المستوردين. ولا يعني ذلك إعفاء المعاملات من الإفصاح الجمركي، وإنما تحرير وسائل التجارة والتمويل من القيود التي لا ضرورة لها.
أما دور الدولة في هذا المجال، فينبغي أن يتركز على وضع المواصفات القياسية الصحيحة وتطبيقها بصرامة وعدالة على السلع المستوردة، والتحقق من سلامتها وجودتها وصلاحيتها للاستخدام، وحماية الإنسان والبيئة من المنتجات الضارة، مع الالتزام بمعايير النقل والتخزين والتداول الآمن للمواد التي تتطلب ظروفًا خاصة، وفي مقدمتها الوقود والغاز والمواد الخطرة. ولا يلزم أن يمتلك كل مستورد مستودعاته الخاصة إذا كانت هناك منشآت مرخصة ومستوفية للاشتراطات يستطيع التعاقد معها، وإنما المطلوب ضمان توافر القدرة التخزينية الآمنة والكافية، لا تحويل امتلاكها إلى شرط احتكاري يحول دون دخول منافسين جدد.
والحكمة من ذلك أن احتياجات الحياة والإنتاج من المواد والمكونات وقطع الغيار والمعدات والآليات لا تكاد تُحصى، وتتجدد باستمرار مع تطور الأنشطة وظهور المشروعات والابتكارات. وليس في وسع مؤسسات الدولة، مهما اتسعت قدراتها وتفرغت لهذه المهمة، أن تحيط بكل صنف تحتاجه الزراعة أو الصناعة أو التعدين أو النقل أو الخدمات، أو أن تتنبأ بموعد الحاجة إليه وكميته ومواصفاته. وربما أدى تأخير استيراد قطعة غيار واحدة أو مادة خام محددة إلى توقف مصنع بأكمله، وتعطيل سلسلة من الموردين والعاملين والناقلين والموزعين، أو إجهاض مشروع مبتكر قبل أن يرى النور. أما حين يكون الاستيراد متاحًا لكل مؤهل لممارسته، فإن حاجات السوق نفسها تستدعي من يسعى إلى تلبيتها، وتتحرك المبادرات الفردية والمؤسسية لتوفير ما ينقص دون انتظار قرارات استثنائية أو موافقات تمييزية.
ومن شأن هذا الانفتاح، إذا اقترن بتطبيق المواصفات والشفافية ومنع التواطؤ والاحتكار، أن يوسع المنافسة، ويزيد توافر السلع، ويحد من الندرة والزيادات السعرية الناشئة عن حصر العرض، ويضيّق منافذ الفساد والتهريب. كما يمكّن المشروعات القائمة والناشئة من الحصول على احتياجاتها في الوقت المناسب، ويشجع الابتكار والاستثمار والتوسع في الإنتاج والعمل. ولا يعني ذلك أن فتح الاستيراد وحده كافٍ للقضاء على الندرة والبطالة والفساد، إذ تتوقف النتائج كذلك على التمويل والأمن والنقل والبنية الأساسية؛ وإنما المقصود إزالة عائق رئيسي أمام قدرة الأسواق والمنتجين على تلبية الاحتياجات واغتنام الفرص.
وليست حماية المنتج المحلي، إن وُجد، بمنع استيراد ما يماثل إنتاجه، وإنما بإصلاح البيئة الاقتصادية المحلية، وإزالة ما يثقل كاهله من قيود وتكاليف واختلالات، وتوفير مقومات الإنتاج والمنافسة العادلة، حتى يستطيع أن ينافس السلع المستوردة في الأسواق الداخلية، بل ويتجاوزها إلى الأسواق الخارجية بالتصدير. أما حمايته بحظر استيراد السلع المنافسة، فإنها قد تحمّل الاقتصاد والمستهلك أعباء دعم غير مباشر، وتُضعف الحافز إلى تحسين الجودة وخفض التكاليف والأسعار، وتُبقي المنتج المحلي بمنأى عن المنافسة التي تدفعه إلى التطور والابتكار. فالحماية الحقيقية للمنتج الوطني ليست في إعفائه من المنافسة، وإنما في تمكينه من أن يكون الأجود والأفضل سعرًا، والأقدر على كسب ثقة المستهلك في الداخل والخارج. ولا يتعارض ذلك مع مساندة الصناعات الوطنية الناشئة بوسائل مشروعة وشفافة ومحددة المدة، كالتدريب والتمويل وتطوير البنية الأساسية والتقنيات، شريطة أن ترتبط هذه المساندة بتحسين الإنتاجية والجودة والقدرة التنافسية، وألا تتحول إلى حماية دائمة من المنافسة أو تحميل المستهلك أعباء غير مبررة.
ويبقى للدولة أن تحدد الرسوم الجمركية والضرائب المتعلقة بالاستيراد على أسس علمية واقتصادية رشيدة، تراعي ضرورة كل سلعة وأهميتها للإنتاج والمعيشة، وأثر الرسوم في الأسعار والتنافسية والإيرادات العامة، بحيث تُخفَّف الأعباء عن مستلزمات الإنتاج والسلع الأساسية، وتُصمَّم الرسوم على غيرها بصورة واضحة وعادلة، دون أن تتحول السياسة الجمركية إلى وسيلة مستترة لمنع الاستيراد أو حماية احتكارات بعينها.
والمقصود هنا ليس أن البيئة الاقتصادية أصبحت سليمة، وإنما أن الدولة توقفت عن إضافة عوائق جديدة إلى اختلالاتها القائمة، وتركت للناس مجالًا أوسع لممارسة أنشطتهم وتوفير احتياجاتهم وكسب أرزاقهم، ولو ارتفع سعر الدولار أضعافًا.
ومن المهم إدراك أن ارتفاع الدولار لا يعني بالضرورة انخفاض مستوى معيشة كل مواطن بالنسبة نفسها؛ فالمزارع والصانع والتاجر والمهني ومقدم الخدمة يستطيعون تعديل أسعار منتجاتهم وخدماتهم تبعًا لتغير التكاليف والقيمة الشرائية للعملة، وبذلك يمكنهم المحافظة على دخولهم الحقيقية، وتأمين استمرار أعمالهم.
أما العاملون بأجر في القطاعين العام والخاص، فهم أكثر تعرضًا لتراجع قدرتهم الشرائية عندما تتأخر الأجور عن مواكبة الأسعار. ومع ذلك، فإن استمرار الإنتاج ونمو المؤسسات وإيراداتها يوفران مجالًا أوسع لتحسين الأجور والمحافظة على فرص العمل، بخلاف توقف الأنشطة، الذي قد يعجز معه أصحاب الأعمال والدولة نفسها عن الوفاء بالأجور القائمة، فضلًا عن زيادتها.
ومع استمرار اختلال البيئة الاقتصادية العامة، فإن هذا الخيار لا يمثل الحل الأسلم أو المكتمل، ولا يحقق بالضرورة الاستقرار والرخاء المنشودين، ولا يزيل أضرار التضخم وتراجع القوة الشرائية، ولكنه أقل سوءًا من الخيار الأول؛ لأنه يرفع الخنق عن الأنشطة الاقتصادية بدلًا من إضافته إلى الاختلالات القائمة، ويفسح المجال لتوفير السلع واستمرار الإنتاج والعمل، دون أن يعني ذلك زوال العوائق الأخرى المرتبطة بالأمن والتمويل والبنية الأساسية، أو ضمان استقرار الأسعار وسعر الصرف.
ويبقى الخيار الثالث، وهو الإصلاح الشامل والمتكامل والمتوازي للبيئة الاقتصادية، الحل الجذري والأمثل؛ إذ لا يكتفي برفع القيود وإطلاق الأنشطة، وإنما يعالج اختلال البيئة نفسها، بحيث تصبح حرية الإنتاج والتجارة والاستثمار جزءًا من منظومة مؤسسية وقانونية ومالية سليمة، تستهدف الجمع بين اقتصاد منتج مزدهر وعملة مستقرة تحافظ على قوتها الشرائية.
ويبدأ ذلك بتحرير النشاط الاقتصادي والتجارة والاستثمار والمنافسة، وإزالة القيود غير الضرورية على الإنتاج والاستيراد والتصدير، وتوحيد سوق النقد الأجنبي عبر آلية شفافة تخضع للعرض والطلب وتنهي تعدد الأسعار، مع تنظيم المعاملات بقواعد واضحة تمنع الاحتيال والتلاعب، وتُدار من خلال منصة إلكترونية مركزية موحدة تربط المصارف وشركات الصرافة والجهات المرخصة بالتعامل في النقد الأجنبي، وتتيح عرض طلبات البيع والشراء وتنفيذ المعاملات وتسويتها وتسجيلها بصورة فورية وشفافة، وفق قواعد موحدة تكفل المنافسة العادلة، وتُمكّن بنك السودان المركزي من الرقابة على سلامة التعاملات وحركة السوق دون التدخل الإداري في تحديد الأسعار أو تعطيل النشاط المشروع.
ويوازي ذلك ضبط الإنفاق العام ووقف التمويل التضخمي للعجز، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتبسيط الضرائب والرسوم وتوحيدها، وإرساء الحوكمة والشفافية والمساءلة، ومنع الاحتكار والامتيازات الاستثنائية، وحماية الملكية والعقود، وتطوير القضاء وتسريع الفصل في المنازعات، ورقمنة المعاملات الحكومية وربط المؤسسات ذات الصلة ضمن منظومة متكاملة.
وفي إطار هذا الإصلاح، ينبغي أن ينصرف الدور الأكبر والأهم للدولة إلى مسؤولياتها الأساسية التي لا غنى عنها لقيام اقتصاد سليم ومجتمع آمن؛ وفي مقدمتها حفظ الأمن والاستقرار، وتقوية الجيش والشرطة وسائر المؤسسات الأمنية، وتعزيز قدراتها وكفاءتها وخضوعها للقانون، وحماية البلاد والمواطنين وممتلكاتهم، وإرساء منظومة رقابية فعالة تمنع الاحتكار والغش والفساد وإساءة استعمال السلطة، وتطبيق أنظمة الحوكمة والرقمنة والشفافية والمساءلة، وإنفاذ القانون على الجميع دون استثناء، إلى جانب تطوير التعليم والبحث العلمي والتدريب والتأهيل، وتهيئة البيئة التي تطلق قدرات الإنسان على العمل والإنتاج والابتكار.
ولا تنفصل عن هذه المسؤوليات رعاية الفئات الضعيفة والعاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، من خلال منظومة دعم اجتماعي مباشر وعادل، تقوم على معايير استحقاق واضحة، وسجلات رقمية موثوقة، وآليات صرف ورقابة محكمة تمنع التلاعب والمحسوبية والازدواج والفساد، وتضمن وصول الدعم إلى مستحقيه. فهذه السياسات، في مجموعها، لا تخدم أصحاب رؤوس الأموال وحدهم، وإنما تعود منافعها على المجتمع بأسره، وفي مقدمته الفقراء؛ إذ تتيح للقادرين منهم فرص العمل والإنتاج والكسب، وتزيد قدرة الدولة والمجتمع على رعاية من لا يجدون عملًا أو دخلًا كافيًا، وتوفير الدعم المستمر لمن بلغوا من العجز مبلغًا يحول دون قدرتهم على العمل وتأمين معيشتهم. وهكذا يجتمع تحرير طاقات الاقتصاد مع قيام الدولة بواجباتها في الحماية والعدالة والتكافل، فلا يُترك القادر محرومًا من فرصة العمل، ولا يُترك العاجز محرومًا من أسباب الحياة الكريمة.
والأهمية الحاسمة أن تُنفَّذ هذه الإصلاحات باعتبارها حزمة واحدة متكاملة ومتوازية؛ فلا يكفي تحرير سعر الصرف مع استمرار التمويل التضخمي، ولا تشجيع الاستثمار مع غياب حماية العقود، ولا تبسيط الضرائب مع بقاء القيود الإدارية، ولا الدعوة إلى زيادة الإنتاج مع تعطل مدخلات التشغيل.
وعندما تتكامل هذه الإصلاحات، وتتهيأ البيئة الاقتصادية السليمة، تنطلق طاقات القطاع الخاص، وتتسع الاستثمارات في الزراعة والصناعة والتعدين والطاقة والنقل والمواصلات والاتصالات والبنية الأساسية، وتتهيأ الظروف لجذب رؤوس الأموال الوطنية والعالمية لتمويل مشروعات البنية التحتية بمختلف صيغ التمويل والاستثمار المشروعة، بما فيها الاستثمار المباشر، والشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، ونظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، ونظام البناء والتملك والتشغيل (BOO)، وعقود الامتياز، والتمويل المصرفي والمشترك المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، والصكوك الاستثمارية والتنموية القائمة على صيغ مشروعة كالمشاركة والمضاربة والإجارة والاستصناع، بعيدًا عن الفوائد الربوية، فضلًا عن صناديق الاستثمار والبنية التحتية، وتمويل مؤسسات التنمية الإقليمية والدولية وفق صيغ مشروعة، وبموجب دراسات جدوى وضمانات تعاقدية وأطر قانونية ورقابية واضحة تحمي حقوق الدولة والمستثمرين والمستفيدين من الخدمات.
وبذلك تتسع فرص الإنتاج والعمل، وتتحسن قدرة البلاد على توفير الوقود والغذاء والمواد والمعدات وسائر مستلزمات الحياة والإنتاج، وتزداد مصادر النقد الأجنبي، وتتعزز الثقة في المؤسسات والقانون، فتتهيأ أسباب استقرار العملة والمحافظة على قوتها الشرائية.
وهكذا تتضح المفاضلة: خيار يضيف خنق الأنشطة إلى اختلال البيئة الاقتصادية، وآخر يرفع الخنق مع بقاء الاختلال، فيكون أقل سوءًا من الأول، وثالث يرفع الخنق ويعالج الاختلال من جذوره، فيجمع بين الحسنيين: اقتصاد منتج مزدهر وعملة مستقرة. فلا تجعلوا انخفاض سعر الدولار غايةً تبرر تعطيل مصالح الناس ومصادر أرزاقهم؛ فإن استمرار الإنتاج والتجارة والعمل وتوافر احتياجات الحياة، ولو مع ارتفاع الدولار، خير من انخفاضه في اقتصاد تتوقف أنشطته وتندر سلعه وتضيق فيه فرص الرزق. والغاية التي ينبغي أن تتجه إليها الدولة هي الإصلاح الشامل الذي يطلق طاقات الاقتصاد، ويهيئ أسباب استقرار العملة، ويحقق للوطن والمواطن والدولة ما يُرتجى من منافع ورفاه واستقرار وازدهار.
فهل نملك الإرادة والرؤية والعزيمة لبلوغ هذه الغاية، أم نظل كما ظللنا، نتردّى من خبالٍ إلى وبال، وندور في حلقة مفرغة من السياسات التي تفاقم الأزمات بدلًا من معالجة جذورها؟





