مقالات

إشتياق الكناني تكتب : قرارات على الورق.. والمواطن يدفع الثمن

يقف المواطن السوداني مغلوباً على أمره، وسط تداول معلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية، بينما يصطدم الواقع الفعلي في الأسواق بحقيقة مغايرة تجعله في حالة من الذهول أمام الفجوة بين ما يُروَّج له وما يلمسه بنفسه عند الشراء. فمنذ صدور قرار رئيس مجلس السيادة بشأن خفض الأسعار، مرّ أكثر من ثمانٍ وأربعين ساعة دون أن تظهر خطوات ملموسة لتطبيقه على أرض الواقع. فأين تكمن المشكلة؟ ومن المسؤول عن تحويل القرارات إلى واقع معاش؟ سؤال يبدو أن الإجابة عنه تتجاوز مجرد إصدار التوجيهات إلى البحث في آليات التنفيذ والرقابة والمحاسبة.

ما يحدث يثير كثيراً من التساؤلات، ويضعنا أمام واقع اقتصادي مرتبك، تتعثر فيه أبسط متطلبات الحياة اليومية. فالمواطن الذي أنهكته الحرب، وفقد بيته أو مصدر رزقه أو استقراره، يحتاج اليوم إلى سياسات حقيقية تساعده على إعادة بناء حياته، لا إلى قرارات يسمع بها ولا يجد لها أثراً في الأسواق. وبينما تتطلع الأسر إلى استعادة شيء من حياتها الطبيعية، تتواصل معاناتها مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في ظل غياب إجراءات واضحة يشعر المواطن بنتائجها.

وهنا يبرز دور حكومة الأمل، التي يُفترض أن تضع احتياجات المواطن في مقدمة أولوياتها، وأن تنتقل من مرحلة الإعلان عن القرارات إلى مرحلة تنفيذها ومتابعتها. فهل يكفي إصدار قرار بخفض الأسعار دون وجود رقابة ميدانية، وفرق تتولى متابعة الالتزام به، وآليات تضمن عدم الالتفاف عليه؟ إن غياب المتابعة الإدارية الفاعلة يفتح الباب أمام الفوضى، ويجعل القرارات عرضة للتجاهل، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

هل يستحق المواطن كل هذا العناء؟ وهو الذي فقد الكثير، وما زال يقاوم من أجل البقاء، ويحاول أن يحفظ لأسرته الحد الأدنى من مقومات الحياة. لقد أصبح الحصول على الاحتياجات الأساسية عبئاً ثقيلاً على كثير من الأسر، حتى باتت بعض الضروريات بعيدة المنال. ومن هنا، فإن المطالبة ليست ترفاً ولا مجرد اعتراض عابر، بل هي حق أصيل للمواطن في أن يرى أثر القرارات الحكومية في حياته اليومية.

إن غياب المؤسسات الفاعلة والرقابة الجادة يخلق بيئة مناسبة للتلاعب، ويجعل الفوضى سمة ملازمة للأسواق. والمفارقة أن المواطن، حتى في عز الحرب وتحت ظروف أمنية بالغة التعقيد، كان يجد كثيراً من احتياجاته متوافرة، رغم أن جانباً كبيراً منها كان يأتي من الولايات الشمالية. أما اليوم، فقد أصبحت الأسعار تتغير بوتيرة تثير القلق؛ فما يشتريه المواطن صباحاً بسعر قد يجده في منتصف النهار بسعر آخر، وربما يعجز عن شرائه مساءً. فأي استقرار اقتصادي يمكن أن يتحقق في ظل هذا التفاوت المتواصل؟ وكيف تستطيع الأسر تنظيم ميزانياتها أمام أسعار لا تمنحها فرصة للتخطيط؟

صحيح أن حركة الأسعار تتأثر بعوامل متعددة، من بينها سعر الصرف وتكاليف النقل والإنتاج والإمداد، لكن ذلك لا يعفي الجهات المختصة من مسؤولياتها في ضبط الأسواق، ومراقبة التجار، ومواجهة الممارسات غير المشروعة، وتوضيح أسباب الزيادات المتكررة. كما أن معالجة الأزمة لا تكون بتحميل الدولار وحده مسؤولية كل ما يحدث، بل بفهم العوامل الحقيقية المؤثرة في الأسعار، واتخاذ إجراءات عملية للحد من آثارها على المواطنين.

ما يحتاج إليه المواطن اليوم هو سياسة واضحة لتسعير السلع الأساسية، ورقابة مستمرة، ومتابعة ميدانية، ومحاسبة كل من يتجاوز الضوابط القانونية، إلى جانب نشر معلومات دقيقة وشفافة عن القرارات الحكومية ومدى تنفيذها. فالإعلان عن خفض الأسعار لا يحقق غايته ما لم ينعكس فعلياً على الأسواق، ويشعر به المواطن في قدرته على شراء احتياجاته.

إن مسؤولية الحكومة ليست إصدار القرارات فحسب، بل ضمان تنفيذها وحماية الناس من الاستغلال. فالمواطن السوداني الذي تحمل ويلات الحرب لا ينبغي أن يخوض وحده معركة البقاء أمام الغلاء. لقد آن الأوان لأن تكون يد المسؤولين مع المواطن، لا عليه، وأن تتحول الوعود إلى إجراءات ملموسة، والقرارات إلى واقع يخفف المعاناة. فالأزمة لا تُقاس بما يُعلن عنها، بل بما يتغير في حياة الناس.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى