
كشفت الأزمة المعيشية، في البلاد أن الغلاء أصبح اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة الاقتصاد وحماية معاش الناس. فحين تتراجع القوة الشرائية، وترتفع أسعار الغذاء، وتتفاقم أزمات الوقود والمواصلات، يصبح السؤال عن مسؤولية الحكومة جزءًا من البحث عن المخرج، بجانب المطالبة بتفسير الأزمة. فالحرب تفسر جانبًا من الاختلالات، لكنها لا تعفي مؤسسات الدولة من واجب التوقع والتخطيط وتصحيح السياسات.
في مقالنا السابق “الغلاء.. أزمة سوق أم أزمة دولة؟”، توقفنا عند مفارقة أسعار الخضروات في وادي حلفا، حيث بدت بعض المنتجات المصرية أرخص بكثير من نظيرتها المحلية، وطرحنا أسئلة عن تكاليف الإنتاج والجبايات واختلال التوزيع ومسؤولية الحكومة عن حماية المستهلك.
وهذا ما يثير الشكوك حول صواب قرار الحظر في ضوء آثاره على السوق ومعاش المواطنين، وما إذا كان قد حقق غاياته أم أن نتائجه استدعت مراجعته على أعلى مستوى في الدولة. حيث وجّه الرئيس عبد الفتاح البرهان، بإلغاء حظر استيراد عدد من السلع، وإعفاء الدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام والخضروات والفواكه من الرسوم الجمركية، مع فتح الاستيراد أمام التجار، عقب استدعاء وزيري المالية والتجارة على خلفية الأزمة المعيشية. وأكد وزير المالية، د. جبريل إبراهيم، أن الإجراءات تستهدف تخفيف الأعباء عن المستهلك مع مراعاة حماية المنتج المحلي.
وبحسب صحيفة “السوداني” ، شرع مستوردون في تحريك شحنات غذائية من مصر نحو الحدود السودانية، بينما تحدث تجار عن خسائر تكبدوها بسبب توقف حاويات وشحنات لأشهر، إثر قرار حظر نحو 46 سلعة في أبريل 2026. وأشار خبير اقتصادي إلى أن القيود أسهمت في تقييد الإمدادات وزيادة الضغوط على الأسواق، في ظل تراجع الإنتاج المحلي.
كانت حماية العملة الوطنية وتشجيع الإنتاج المحلي من مبررات الحظر، وهي أهداف جيدة ، لكن سلامة الهدف لا تضمن سلامة الوسيلة. فعندما لا يغطي الإنتاج المحلي احتياجات السوق، يؤدي تقييد الاستيراد دون توفير بدائل إلى تقليص المعروض ورفع الأسعار، وفتح المجال أمام الاحتكار والتهريب، وإضعاف التجارة. وهكذا قد تتحول سياسة تستهدف حماية الاقتصاد إلى عبء إضافي على المستهلك والمنتج والمستورد.
من هنا فإن رفع الحظر خطوة لتصحيح المسار، لكن أثرها يتوقف على سرعة التنفيذ وانسياب الشحنات وضبط تكاليف النقل والتوزيع والحد من الممارسات الاحتكارية. فالإعفاء الجمركي لا يضمن وحده انخفاض الأسعار، ما لم يصل أثره إلى المستهلك. كما تستدعي الأزمة معالجة أوضاع الحاويات المتوقفة، والنظر في الأضرار التي لحقت بالمستوردين وفق أسس واضحة، واستعادة الثقة في استقرار السياسات الحكومية.
غير أن الأزمة تتجاوز الغذاء إلى الوقود والمواصلات، حيث يواجه الطلاب والعاملون صعوبات في الوصول إلى المدارس ومقار العمل والعودة منها.وحين يصبح التنقل اليومي معركة، فإن الاختلال الاقتصادي ينتقل إلى التعليم والإنتاج والسلامة العامة والاستقرار الاجتماعي. لذلك، ينبغي أن تقيّم حكومة ولاية الخرطوم خيارات استمرار الدراسة في ضوء عدم توافر الوقود والترحيل الآمن، مع إعطاء الأولوية لسلامة الطلاب.
إن جوهر المشكلة يكمن في غياب التكامل بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فلا حماية المنتج تتحقق بصناعة الندرة، ولا فتح الاستيراد بديل مستدام عن الإنتاج. لذلك المطلوب خطة طوارئ اقتصادية تعطي الأولوية للغذاء والوقود والنقل، وتراجع الرسوم والجبايات، وتراقب الأسعار وتكاليف السلع، وتنشر بيانات دورية عن الإمدادات، وتربط التدخلات العاجلة ببرنامج لدعم الزراعة والصناعة والطاقة والنقل.
فالأمن الغذائي لا يُبنى على الشاحنات القادمة من الخارج وحدها، بل على إنتاج وطني قادر على المنافسة وتلبية احتياجات السوق و المواطنين.
وعلى المستوى الحكومة، فإن تكرار الأزمات ثم التدخل لمعالجتها بعد تفاقمها يطرح أسئلة عن دراسات الأثر، والتنسيق بين الوزارات، وتحديد المسؤوليات والمساءلة. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على إصدار القرارات والتراجع عنها، بل بقدرتها على استباق نتائجها ومراجعتها قبل أن يدفع المواطن ثمنها. وهذا يتطلب مؤسسات مستقرة، واختصاصات واضحة.
في مقالنا السابق سألنا: المعاناة.. أهي أزمة سوق أم أزمة دولة؟ واليوم تكشف مواجهة الدولة لقراراتها المرتبكة أن السؤالين متصلان، فالسوق لا يعمل بمعزل عن السياسات التي تنظمه، والمواطن لا يستطيع تحمل كلفة أخطاء تتكرر ثم تُعالج بتدخلات متأخرة. فالحماية تتحقق بتمكين الإنتاج وضبط الأسواق وصون معاش الناس.
فالدولة، بحسب #وجه_الحقيقة، تُقاس باتساق قراراتها ، لأن ثمن ارتباك السياسات يدفعه المواطن من قوته وكرامته وثقته في مؤسسات الحكم. وحين يصبح الرغيف والوقود والمواصلات اختبارات يومية لفاعلية الحكومة، يغدو إصلاح الاقتصاد وربما مغادرتها شرطًا لصون كرامة المواطن واستقرار المجتمع ومستقبل البلاد.
دمتم بخير وعافية
السبت 24 أكتوبر 2026م.
Shglawi55@gmail.com





