إشتياق الكناني تكتب : السودان.. وطن لا يغادره أبناؤه

عرف الشعب السوداني قيمة الأرض والوطن بطريقة قاسية، دفع فيها الدماء وقدم تضحيات جساماً. فقد خسر الناس مدخرات العمر، ومنازلهم ومحالهم التجارية وأماكن عملهم، وضاعت سنوات من الكفاح والبناء في لحظات الحرب. ومع ذلك، نهضوا سريعاً من جديد، وحاولوا استعادة حياتهم رغم كل ما خلفته هذه الحرب من جراح وخسارات.
ثلاثة أعوام كانت كفيلة بتغيير الكثير من المفاهيم، وقلب موازين عديدة، وإعادة تشكيل نظرة السودانيين إلى الحياة والأمان والاستقرار، لكنها لم تستطع تغيير مكانة السودان في عقولهم وقلوبهم. فهذا وطنهم، وهويتهم، ووجهتهم، وبطاقتهم التعريفية التي لا يستبدلونها بأخرى. وعلى جباه أبنائه رسمت مياه النيل شموخ النخيل الذي يعانق أرض السودان، وظل الوطن حاضراً في الوجدان مهما ابتعدت المسافات.
لا يظن أيٌّ كان أن السوداني يغادر أرضه لاجئاً أو نازحاً بسبب انقطاع الكهرباء أو المياه أو ارتفاع تكاليف المعيشة. فهذه ظروف عرفها، وعاشها، وصبر عليها طيلة سنوات عمره، وتعلم كيف يتدبر أمره في مواجهتها. لكنه لم يعش حرباً كهذه، ولم يواجه انتهاكات بهذا الحجم، استهدفت حياته وكرامته وأمنه بصورة مباشرة. جُوِّع، وهُجّر من منزله بقوة السلاح، ونهبت ممتلكاته، فخرج لا بحثاً عن حياة أفضل، وإنما بحثاً عن النجاة بنفسه وأهل بيته، حين أصبح البقاء يعني مواجهة الموت، وحين لم تعد الأموال والبيوت والقصور قادرة على حماية أصحابها.
اختار السوداني أصعب الخيارات، وترك خلفه كل ما بنى وجمع، مقابل فرصة للحياة والأمان. لكنه اليوم يعود، ولن يكون من السهل أن يغادر أرضه مرة أخرى، بعدما وقف على قدميه، وبعدما دفع الأب والابن، والشيب والشباب، أثماناً باهظة في سبيل حماية هذه الأرض التي اسمها السودان.
أما الذين عاشوا وسط الدانات والقذائف المدفعية والطائرات المسيّرة، فحكايتهم مختلفة. أولئك الذين كانوا يذهبون صباحاً إلى الأسواق، ثم تفاجئهم مسيّرة ملعونة تقتل جاراً أو مواطناً بريئاً في قلب السوق، فيسارعون إلى إسعاف المصابين ودفن الضحايا، ثم يعودون إلى مشاويرهم وحياتهم، متوكلين على الله. هؤلاء الذين ألفوا صوت القذائف، ولم تتوقف حياتهم رغم الخطر المحدق بهم، هل يُعقل أن يقرروا مغادرة بلادهم الآن بسبب استهداف محطة كهرباء أو تعطيل خدمات مدنية؟
هذا شعب صاغت المحن معدنه، وصنع الصبر جانباً أصيلاً من شخصيته. لن يغادر بسهولة، بل سيحاول أن ينهض في كل مرة، وأن يعيد بناء ما تهدم، وأن يسترد تفاصيل حياته التي انتزعتها الحرب منه. لكن ذلك لا يعني أن معاناته يجب أن تستمر، أو أن يُترك وحيداً في مواجهة أزمات تتضاعف كل يوم.
والمحزن أن هذه الحرب، التي استهدفت السودانيين بالقتل والتنكيل والنهب والتهجير، لم تتوقف آثارها عند حدود ما تعرضوا له من انتهاكات. فالمواطن يجد نفسه اليوم أمام معاناة معيشية متصاعدة، وغلاء طاحن، وممارسات فساد ومضاربات وتلاعب بالاقتصاد، وكأن ما دفعه من أثمان لم يكن كافياً، وكأن عليه أن يخوض معركة جديدة لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
ثم تأتي استهدافات الخدمات المدنية، التي لا تتعلق بالرفاهية ولا بالكماليات، وإنما بأبسط حقوق الإنسان: كهرباء تنير المنازل والمستشفيات، ومياه شرب نظيفة، وخدمات تحفظ للناس الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وهي حقوق ظلت مواثيق الأمم المتحدة ومؤسساتها ترددها باعتبارها من أساسيات الكرامة الإنسانية، لكن هذه الأصوات يغيب حضورها حين تتعرض الخدمات المدنية في السودان للاستهداف والتخريب الممنهج، وحين يجد المواطن نفسه محاصراً بالظلام والعطش وتعطل مصالحه اليومية.
إن استهداف محطات الكهرباء ومرافق المياه والبنية التحتية ليس مجرد خسارة فنية يمكن تجاوزها بسهولة، بل هو اعتداء على حياة الناس، وعلى قدرتهم على البقاء والاستقرار، وعلى حقهم في استعادة حياتهم بعد كل ما مروا به. فكيف يُطلب من شعب أن يعيد بناء وطنه، بينما تتعرض مقومات الحياة فيه للتدمير مرة بعد أخرى؟
وما زال السودان يتطلع إلى المجتمع الدولي، وكأنه ينتظر منه أن يكون المنقذ، غير أن التجربة كشفت أن هذا المجتمع ليس دائماً كما يتصوره المظلومون؛ فهناك مصالح تتقدم على المبادئ، وحسابات سياسية واقتصادية تتحكم في مواقف كثيرة، وأحياناً تبدو قوة القرار بعيدة عن نصرة صاحب الحق، بينما يجد الظالم مساحات أوسع للمناورة والإفلات من المحاسبة.
ولذلك، فإن الرهان الأكبر يجب أن يكون على الإنسان السوداني، وعلى قدرته على حماية وطنه ومجتمعه، وعلى وقوف السوداني إلى جانب أخيه السوداني. علينا أن نكون سنداً لبعضنا، وأن نتمسك بوحدتنا، وأن نرفض أن تتحول المعاناة إلى سبب للتفرق أو اليأس. فالوطن الذي دفع أبناؤه كل هذه التضحيات يستحق أن يتكاتفوا من أجل استعادته وإعماره وحماية مستقبله.
على السوداني أن يحتمي بأخيه السوداني، وأن يقف إلى جواره جنباً إلى جنب، وأن يواصل معركة تحرير الأرض واستعادة الدولة وبناء ما دمرته الحرب. فالكلمة الأخيرة ينبغي أن تكون لأصحاب الأرض، وللشعب الذي يعرف قيمة وطنه أكثر من أي جهة أخرى.
العبرة دائماً بالنهايات، وليس كل سقوط نهاية، وليس كل انكسار هزيمة. قد تنهض من بين الركام، وتعيد بناء ما تهدم، وتبدأ من الصفر، حتى لو كان ما تبقى لك أقل من الصفر. ففي النهاية، ليس للسوداني وطن آخر يحمل ذاكرته وهويته وانتماءه مثل السودان.
الوطن ليس خالياً من الأزمات حتى نحبه، بل نحبه رغم أزماته، ونتمسك به لأننا ننتمي إليه.





