
ليس غريباً على مدينة مثل الخرطوم أن تبدل وجه الأيام، ولا على أهلها أن يضربوا أمثلةً في الصبر والجلادة تتجاوز حدود المألوف. فمدينة العروبة والإفريقية، التي تقف شامخة عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، تشهد اليوم فصلاً جديداً من ملحميتها اليومية؛ فصلٌ يكتبه إنسانها الصابر المكافح في مواجهة موجات الغلاء الضارية، ويوقع خواتيمه بشوقٍ لا يهدأ وحنينٍ جارف لتراب العاصمة وعبق ذكرياتها.
حين تثقل كاهل المعيشة، وتتضاعف أعباء الحياة اليومية، وتضيق الحلقات بالناس، يتجلى المعدن الحقيقي لأهل الخرطوم. إن صبر الناس على الغلاء ليس مجرد استسلام للواقع، بل هو صمت العارفين بطبيعة الأقدار، وتجلٍّ للروح السودانية التي تأبى الانكسار. تجوب الأسواق والشوارع فلا تجد إلا وجوهاً تنطق بالكرامة، وعزيمةً تقاوم شظف العيش بابتسامة رضا وقناعة.
يتحمل المواطن في الخرطوم أعباءً أثقلت الجبال، مبتدعاً كل يوم سبلاً للتعايش، متوسلاً بفضيلة التكافل الاجتماعي والتراحم الذي ورثه كابراً عن كابر. فالناس هناك يتقاسمون لقمة العيش الضيقة، ويحمل بعضهم أثقال بعض، في صورة حية لمعنى النفير الإنساني، كأنهم بذلك يروّضون قسوة الأسعار بحرارة القلوب وتضامنها.
وعلى الرغم من مرارة الظروف وقسوة واقع الحياة الاقتصادية، يظل حب العودة إلى الخرطوم هو البوصلة التي تشير بلا هوان إلى القلوب. فالخرطوم ليست مجرد شوارع وأزقة، ولا هي مجرد منازل وأسواق، بل هي روح تسري في الأبدان. هي صوت أم كلثوم ومصطفى سيد أحمد يتسرب من الراديوهات القديمة، وهي هفهفة النسيم على ضفاف النيل عند الأصيل، وهي حكايات الجيران على العشاء في الأماسي المقمرة.
إن حنين النازحين والمغتربين والمهجرين إلى الخرطوم يشبه حنين الطير المهاجر إلى عشه الأول. تجدهم أينما حلّت بهم مسارب الغربة، يذكّر بعضهم بعضاً بتفاصيلها الصغيرة؛ برائحة المطر على ترابها العاطر، بقهوة الصباح في الساحات، بملامح الوجوه الطيبة، وبذلك الدفء الإنساني الفريد الذي لا يعوضه بلد. العودة إلى الخرطوم في وجدان أهلها ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي ارتواء بعد عطش، والتئام لروح طال تمزقها بين منافي الشوق.
ستظل الخرطوم صامدةً بصبر أبنائها، وستبقى عودتهم إليها مسألة وقت وحتمية تاريخية. فالغلاء، مهما اشتد، فهو زائل بحكم الأيام، أما الارتباط بالمكان فهو أصلٌ ثابت في الجذور. وإذا كان الصبر اليوم هو سلاح البقاء، فإن حب العودة هو الوعد الباقي بأن غداً أجمل، وأن العاصمة التي أرهقتها النكبات ستنهض كفينيقٍ من رماد المحن، تفتح أبوابها لاستقبال أبنائها العائدين، ليطووا معاً صفحة الألم، ويفتحوا صفحة جديدة عنوانها الفخر، والوفاء، وعزة الجذور.





