مقالات

السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (9 من 10): الدولة القوية لا تطارد السوق… بل تبني بيئة تعمل

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

قد يُفهم من الدعوة إلى تحرير الاقتصاد وتقليل القيود وترك الأسعار للعرض والطلب أن المطلوب انسحاب الدولة وترك السوق يفعل ما يشاء.
وهذا فهم خاطئ.
فالدولة القوية ليست التي تتدخل في كل بيع وشراء، وتحدد كل سعر، وتمنح الإذن لكل نشاط، وتوزع العملات والسلع، وتنافس الناس في التجارة والإنتاج؛ بل التي تؤدي بكفاءة الوظائف التي لا يستقيم المجتمع والاقتصاد من دونها: الأمن، وإنفاذ القانون، وحماية الحقوق والعقود والملكية، وضمان المنافسة، ومنع الاحتكار والتواطؤ والغش والفساد، وحماية الصحة والسلامة والبيئة، وإدارة المال العام والسياسة النقدية بانضباط.
فالفرق كبير بين دولة قوية ودولة كثيرة التدخل.
قد تتدخل الدولة في آلاف التفاصيل، وتظل ضعيفة في إنفاذ القانون وحماية العقود وضبط المال العام، وقد يقل تدخلها في النشاط اليومي وتكون شديدة القوة حيث يجب أن تكون.
فمن يريد إنشاء مصنع أو مزرعة أو شركة لا ينبغي أن يمر بعشرات الجهات للحصول على موافقات لا ضرورة لها، لكن الدولة يجب أن تكون حاضرة بقوة إذا وقع غش أو احتكار أو اعتداء على الحقوق أو الصحة أو البيئة أو مخالفة للقانون.
وهذا هو الفرق بين تنظيم النشاط وإدارته: الدولة تضع الطريق وقواعد السير وتراقب الالتزام بها، لكنها لا تقود كل سيارة بنفسها.
وليست مهمتها أن تختار لكل مواطن ماذا يشتري وبأي سعر، أو لكل تاجر ماذا يستورد، أو لكل مستثمر أين يضع أمواله؛ بل أن تجعل المنافسة حقيقية، والمعلومات متاحة، والعقود نافذة، والقواعد واحدة على الجميع، ثم تترك ملايين القرارات الاقتصادية لأصحابها.
فالأسعار تحمل معلومات عن الندرة والوفرة والعرض والطلب، وتوجه المنتج والمستهلك والمستثمر. وعندما تُشوَّه طويلًا بأسعار إدارية لا تعكس الواقع، قد يظهر النقص والسوق الموازية والاستثناءات والبحث عن الامتيازات.
لكن السوق ليست معصومة من الخلل أيضًا. فقد ينشأ احتكار أو تواطؤ، أو توجد معلومات جوهرية لدى طرف دون آخر، أو يسبب نشاط ما أضرارًا صحية أو بيئية لا يتحمل صاحب النشاط كامل تكلفتها. وهنا يكون تدخل الدولة ضروريًا، لا لإلغاء السوق، بل لتصحيح الخلل وحماية المنافسة والمصلحة العامة.
ولهذا فالتحرير والحوكمة ليسا نقيضين؛ فالسوق الحرة تحتاج إلى دولة قادرة. والتحرير بلا قانون ومنافسة قد يتحول إلى امتياز للأقوى، كما أن القانون إذا تحول إلى قيود وإجراءات لا ضرورة لها يصبح هو نفسه عائقًا أمام النشاط.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الجهاز العام يجب أن يكون صغيرًا في كل الأحوال؛ فالعبرة ليست بحجمه مجردًا، وإنما بكفاءته ووظائفه وتكلفته. المطلوب جهاز بالحجم الذي تحتاج إليه وظائف الدولة، لا جهاز يتضخم بوظائف وإجراءات يمكن الاستغناء عنها.
ومن هنا تأتي الرقمنة. فكلما أصبحت الإجراءات مترابطة وإلكترونية وقابلة للتتبع، استطاعت الدولة أن تكون أقوى وأقل احتكاكًا مباشرًا بالمواطن في آن واحد: تحصّل حقوقها بكفاءة، وتراقب التجارة دون تعطيلها، وتتحقق من المستندات دون حمل الملفات بين المكاتب، وتتابع المال العام بصورة أدق.
فالرقمنة تزيد قدرة الدولة، لا حاجتها إلى التضخم.
والقضاء مثال أوضح. فالمستثمر لا يحتاج إلى وعد سياسي بحمايته عند النزاع، بل إلى قضاء مستقل وناجز، يعلم هو وخصمه أن العقد محترم والحكم نافذ على الجميع. وهذه ضمانة للاستثمار أقوى من كثير من الإعفاءات والوعود.
وكذلك البنك المركزي؛ فقوته لا تقاس بكثرة المنشورات كلما تحرك الدولار، بل بسلامة النظام المصرفي، ومهنية السياسة النقدية، والرقابة على المؤسسات المالية، والانضباط والثقة، وتنظيم سوق النقد الأجنبي والتدخل فيها عند الحاجة وفي حدود موارده، من غير أن يحل محل السوق.
وفي المالية العامة، ليست الدولة القوية التي تحصل أكبر مبلغ ممكن بأي وسيلة، بل التي تجمع إيراداتها بقواعد واضحة وعادلة، وتنفقها بشفافية وانضباط، وتحدد أولوياتها، وتمنع الهدر، وتخضع المال العام للمراجعة والمساءلة.
وتبقى على الدولة مسؤوليات لا يكفي السوق وحده لأدائها، كالأمن والقضاء والصحة العامة والتعليم والبنية الأساسية والبحث والبيانات وحماية البيئة، مع إمكان الاستعانة بالقطاع الخاص في التمويل والتنفيذ حيث يكون ذلك أجدى، بعقود شفافة ومحكمة.
فليست المسألة «دولة أم قطاع خاص»، وإنما: من الأقدر على أداء كل وظيفة وبأي صيغة تحقق المصلحة بأعلى كفاءة؟ فقد تنظم الدولة، أو تمول، أو تنفذ، أو تتعاقد، أو تشارك، أو تترك النشاط للقطاع الخاص وفق طبيعة كل مجال.
وهذا يتطلب دولة تعرف حدودها بقدر ما تعرف سلطاتها.
فما يحتاج إليه السودان ليس دولة غائبة، ولا دولة تمسك بكل شيء، بل دولة حاضرة بقوة حيث يجب أن تكون، وتترك للناس والسوق ما يستطيعون أداءه بكفاءة.
دولة لا تطارد التاجر، بل الغش والاحتكار؛ ولا تطارد سعر الدولار، بل تعالج أسباب ضعف الجنيه وتنظم سوقًا شفافة للعملات؛ ولا تعرقل المستثمر، بل تحمي عقده وتلزمه بالقانون؛ ولا تعالج نقص الإيرادات بزيادة العبء على اقتصاد ينكمش، بل توسع الاقتصاد الذي تأتي منه الإيرادات؛ ولا تقيس قوتها بكثرة الأوامر، بل بقدرتها على إنفاذ القانون وأداء وظائفها بكفاءة.
عندها تصبح الحرية الاقتصادية والحوكمة والرقمنة ونفاذ القانون أجزاء من مشروع واحد.
وقد بدأت هذه السلسلة من الأعراض التي نطاردها كل يوم، ثم مضت إلى جذورها، وإلى ما ينبغي فعله لإصلاح البيئة التي تولد هذه الأعراض بدل الاكتفاء بمعالجتها واحدة بعد أخرى.
وبذلك نكون قد تناولنا، عبر المقالات السابقة، جوانب المشكلة وعناصر إصلاحها من زوايا متعددة. ويبقى في المقال الأخير أن نجمع هذه الخيوط في صورة واحدة مركزة ومترابطة، تبين كيف تتكامل معًا لتشكل طريق الإصلاح الذي ندعو إليه.
وهذا هو موضوع المقال الأخير، إن شاء الله:
الصورة الكاملة للإصلاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى