مقالات

الجنيه السوداني… كيف نستعيد قيمة العملة وننهي تعدد الأسعار؟ (٥ من ٥)

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

تتبعنا في المقالات الأربعة السابقة رحلة الجنيه السوداني منذ الاستقلال، وأسباب تعدد أسعار الصرف، وتجربة الاستقرار النسبي خلال سنوات النفط، ثم تغيير العملة وحذف ثلاثة أصفار منها دون أن تزول أسباب تراجع قيمتها. ونصل اليوم إلى السؤال الأهم: كيف نحول دروس سبعين عامًا إلى برنامج إصلاح يعالج جذور المشكلة، بدلًا من الاستمرار في مطاردة أعراضها؟

إن قيمة العملة لا تُستعاد بقرار يحدد سعر الدولار، ولا بحظر التعامل فيه، ولا بتغيير اسم الجنيه أو حذف أصفاره، وإنما بإصلاح البيئة الاقتصادية التي تحدد العرض والطلب على النقد الأجنبي، وتتيح حرية الاستثمار والإنتاج والتجارة، وتضمن الثقة في النظام المالي والمؤسسات والقانون.
وتبدأ المعالجة بتحرير كامل لسعر الصرف، بحيث تتحدد قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية وفق العرض والطلب،

دون أسعار إدارية أو امتيازات أو قيود تعطل البيع والشراء والتحويل. ويكون ذلك عبر سوق موحدة تضم المصارف والصرافات المرخصة، وترتبط بمنصة مركزية إلكترونية تتيح عرض أسعار البيع والشراء وتنفيذ المعاملات بشفافية وتنافس، تحت إشراف البنك المركزي، الذي يتولى التنظيم والرقابة وضمان سلامة النظام، لا فرض سعر يخالف واقع السوق.

فالمشكلة ليست في ارتفاع سعر الدولار وحده، وإنما في البيئة التي تجعل الحصول عليه عسيرًا، وتدفع المواطنين والمستوردين والمصدرين والمغتربين والمستثمرين إلى التعامل خارج القنوات الرسمية. وكلما أصبحت هذه القنوات حرة وسهلة وآمنة وتنافسية، زادت جاذبيتها، واتسعت المعاملات المعلنة، وتحسنت قدرة الدولة على الرقابة وتحصيل الإيرادات المستحقة، وتراجعت دوافع اللجوء إلى السوق الموازية.

غير أن تحرير سعر الصرف، على أهميته، ليس إجراءً منفصلًا عن بقية الاقتصاد، بل ركن أساسي في حزمة إصلاحات متكاملة. فلا يستقيم سوق النقد الأجنبي مع استمرار التمويل التضخمي للعجز الحكومي، أو تعدد الضرائب والرسوم، أو تعقيد التجارة والاستثمار، أو ضعف حماية الحقوق والعقود، أو غياب المنافسة والشفافية

.
ولذلك يتعين أن يصاحب التحرير انضباط حقيقي للمالية العامة، ووقف الاعتماد على إصدار النقود لتمويل العجز، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وإصلاح النظام الضريبي والجمركي بتبسيط الالتزامات وتوحيدها، وإزالة الرسوم المتعددة والمتعارضة، وترشيد الإنفاق العام، وتوجيه موارد الدولة إلى وظائفها الأساسية.

ولا يقل عن ذلك أهمية تحرير التجارة والاستثمار، وإزالة القيود والإجراءات التي تعطل دخول رؤوس الأموال وخروجها المشروع، وتأسيس المشروعات وتشغيلها، واستيراد مستلزمات الإنتاج وتصدير المنتجات. فالمستثمر لا ينظر إلى سعر الدولار وحده، وإنما إلى قدرته على إدخال أمواله واسترداد عوائدها، ووضوح الضرائب والرسوم، واستقرار القواعد، وسرعة التقاضي، وحماية الملكية والعقود، وتكافؤ الفرص أمام الجميع.

وهنا تظهر أهمية الحوكمة والرقمنة وسيادة القانون. فربط المصارف والصرافات والضرائب والجمارك والسجلات والجهات العدلية بمنظومات إلكترونية متكاملة، وتبسيط الإجراءات، وإتاحة المعلومات، ومنع الاحتكار والامتيازات، يقلل تكلفة المعاملات ومجالات الفساد والتعطيل، ويجعل الدولة أقدر على أداء وظائفها دون أن تتحول إجراءاتها إلى عائق أمام النشاط الاقتصادي.

 

وفي هذه البيئة تتحسن فرص تدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتتوسع المشروعات الزراعية والصناعية والخدمية والتعدينية، ويزداد الإنتاج والتصدير، وتتنوع مصادر النقد الأجنبي. وعندما ترتفع قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات المطلوبة محليًا وخارجيًا، ويتحسن تدفق العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، تتعزز مقومات استقرار الجنيه على أسس أكثر استدامة.

ولا يعني تحرير سعر الصرف أن الدولار سينخفض فورًا، فقد يرتفع السعر المعلن في البداية إذا كان السعر الرسمي السابق أدنى من قيمته الفعلية. لكن ذلك يكشف حقيقة السعر بدلًا من إخفائها، وينهي الامتيازات الناشئة عن تعدده، ويتيح للمتعاملين اتخاذ قراراتهم على أساس واضح. أما تحسن قيمة الجنيه واستقرارها لاحقًا فيرتبطان بنجاح الإصلاحات في ضبط التضخم، وتعزيز الثقة، وجذب الاستثمار، وتوسيع الإنتاج والصادرات.

ومن الخطأ قياس نجاح الإصلاح بمجرد انخفاض سعر الدولار خلال أيام أو أشهر، كما أن من الخطأ اعتبار ارتفاعه دليلًا كافيًا على فشل التحرير. فالمعيار الأهم هو قيام سوق يستطيع الناس التعامل فيها بحرية وشفافية، وانتهاء الفجوات السعرية والامتيازات، وتحسن البيئة الاستثمارية والإنتاجية، واستقرار القوة الشرائية للعملة على المدى الطويل.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن تغيير الأسماء والأرقام، وتثبيت الأسعار إداريًا، وتشديد القيود، لا تعالج وحدها الأسباب التي تُضعف الجنيه. كما أوضحت سنوات النفط أن وفرة النقد الأجنبي قد تدعم الاستقرار فترة من الزمن، لكنها لا تغني عن بناء اقتصاد متنوع ومؤسسات سليمة، ولا عن تحرير حقيقي لسوق الصرف.

والواقع أن السودان، طوال تلك العقود، لم يشهد تحريرًا اقتصاديًا شاملًا وحقيقيًا، وإنما شهد إجراءات وسياسات حمل بعضها اسم التحرير، بينما ظل التطبيق محكومًا بقيود وتعقيدات واحتكارات ظاهرة وخفية، وتسعير إداري وتدخلات تعطل آليات العرض والطلب، في بيئة تعاني ضعف الحوكمة والرقمنة والانضباط المؤسسي. وهكذا بقيت المسافة واسعة بين إعلان التحرير وتحقيق شروطه الفعلية، فلم تتحقق المنافسة الحرة والشفافية وسهولة المعاملات بالصورة التي تتيح للاقتصاد إطلاق طاقاته، بل ولا حتى الحد الأدنى منها.

إن السودان لا تنقصه الموارد الطبيعية أو فرص الإنتاج والاستثمار، وإنما يحتاج إلى بيئة اقتصادية ومؤسسية تتيح استثمار تلك الإمكانات بكفاءة، وتحمي الحقوق، وتطلق المنافسة والمبادرة، وتربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة في إطار القانون.

وهكذا فإن الطريق إلى استعادة قيمة الجنيه لا يبدأ من تحديد السعر الذي نريده للدولار، بل من بناء الاقتصاد الذي يجعل للجنيه قيمة حقيقية. فالعملة في نهاية المطاف مرآة للاقتصاد الذي تصدر عنه، وكلما صلحت بيئته، واتسع إنتاجه، وتعززت الثقة في مؤسساته، ازدادت قدرته على حماية قيمة عملته واستقرارها.

وتلك هي خلاصة رحلة الجنيه السوداني عبر سبعين عامًا: لا إصلاح مستدام للعملة دون إصلاح شامل للبيئة التي تحدد قيمتها، ولا نهضة اقتصادية حقيقية دون حزمة إصلاحات متكاملة ومتوازية، لا مجزأة ولا متعاقبة، تقوم على التحرير الاقتصادي الشامل، وفي مقدمته تحرير سعر الصرف وفق العرض والطلب، عبر منصة مركزية موحدة تربط المصارف والصرافات، وتتيح حرية بيع العملات وشرائها، ودخول

الأموال وخروجها وتحويلها بسهولة ويسر، دون إرهاق أو تعقيد، عبر إجراءات إلكترونية تلقائية واضحة، مع الحوكمة والرقمنة وسيادة القانون وحماية الحقوق والعقود. فبهذه البيئة تتدفق الاستثمارات وتستقر، ويتيسر تمويل

مشروعات البنية التحتية وسائر القطاعات الاقتصادية، ويتوسع الإنتاج والتصدير، وتتولد فرص العمل، وتتزايد ثروة المواطنين والدولة، وتتهيأ أسباب النهضة والازدهار. أما بغير إصلاح جذري متكامل، فستظل البلاد تدور في حلقة الأزمات نفسها، أو تمضي إلى مزيد من التراجع والتقهقر والانحدار.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى