العالم بين الحاضر والمستقبل… من يحكم عالمًا لا يستطيع أحد حكمه منفردًا؟ (3 من 31)
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

انتهينا في المقال السابق إلى أن العالم انتقل من ثنائية القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تفوق أمريكي واسع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم إلى واقع أكثر تعقيدًا تتوزع فيه عناصر القوة بين أطراف متعددة.
ومن هنا يبرز السؤال: من يحكم العالم اليوم، ومن يمكن أن يحكمه غدًا؟
وقد يكون السؤال نفسه بحاجة إلى تصحيح.
فالعالم لم تحكمه دولة واحدة بالمعنى الحرفي، حتى في ذروة التفوق الأمريكي. كانت الولايات المتحدة أقدر دولة منفردة على التأثير في النظام الدولي، لكنها لم تستطع فرض إرادتها في كل مكان. واليوم أصبح الانفراد أصعب.
فالولايات المتحدة ما تزال تملك مزيجًا استثنائيًا من القوة الاقتصادية والعسكرية والمالية والعلمية والتكنولوجية، إلى جانب الدولار وشبكة واسعة من الحلفاء. وفي 2025 أنفقت عسكريًا نحو 954 مليار دولار، أي نحو ثلث الإنفاق العسكري العالمي.
لكن الصين أصبحت قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية وعسكرية كبرى، تنتج نحو 30% من القيمة المضافة الصناعية العالمية مقابل نحو 16% للولايات المتحدة، وهي ثاني أكبر منفق عسكري في العالم.
وروسيا، رغم أن اقتصادها أصغر كثيرًا من الاقتصادين الأمريكي والصيني، قوة نووية كبرى، وعضو دائم في مجلس الأمن، وتملك موارد ومساحة وقدرات عسكرية وموقعًا جغرافيًا يمنحها وزنًا يتجاوز حجم اقتصادها.
أما أوروبا فتملك اقتصادًا وعلمًا وتكنولوجيا وسوقًا وقدرات عسكرية كبيرة، لكن تعدد دولها يجعل قدرتها على التحرك الجيوسياسي الموحد أقل من مجموع إمكاناتها. وتصعد الهند بثقلها السكاني والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، إلى جانب قوى أخرى تؤثر بدرجات متفاوتة في موازين العالم.
وهنا يظهر التحول الأهم: القوة لم تعد موزعة بين الدول فقط، بل بين أنواع مختلفة من القوة.
فالأقوى عسكريًا ليس بالضرورة الأكبر تصنيعًا، والأكبر سكانًا ليس الأغنى، والغني بالموارد قد يحتاج إلى تكنولوجيا غيره، والمتقدم تكنولوجيًا قد يعتمد على غيره في الطاقة والمعادن.
كما أصبحت التكنولوجيا قوة بذاتها: الرقائق والذكاء الاصطناعي والفضاء والاتصالات والقدرات السيبرانية. وأصبح الاقتصاد أداة للصراع عبر الأسواق والتمويل والعقوبات وقيود التصدير وسلاسل الإمداد.
ولذلك لم تعد قوة الدولة تقاس بعدد الجنود والطائرات والصواريخ وحدها، بل أيضًا بما تصنع وتخترع وتمول، وما تملك من غذاء وطاقة ومعادن وأسواق وموقع وعملة ورأس مال بشري، وبقدرة مؤسساتها على تحويل ذلك كله إلى فعل.
وهنا ينبغي التمييز بين المورد والقوة والنفوذ:
المورد هو ما تملكه الدولة، والقوة قدرتها على توظيفه، والنفوذ قدرتها على التأثير في الآخرين والنتائج خارج حدودها.
ولهذا قد تمتلك دولة موارد هائلة ولا تحسن تحويلها إلى قوة، بينما تحقق دولة أصغر نفوذًا أكبر بفضل العلم والإنتاجية والمؤسسات والتكنولوجيا والموقع والتحالفات.
ومن هنا لا ينبغي فهم العالم القادم باعتباره سباقًا بين أمريكا والصين على مقعد واحد؛ فقد لا يكون هناك أصلًا مقعد واحد ينتقل من دولة إلى أخرى، بل شبكة متحركة من مراكز القوة تتنافس فيها الولايات المتحدة والصين، وتؤثر فيها روسيا وأوروبا والهند وقوى أخرى، وتملك فيها الدول المتوسطة والأصغر مساحات متفاوتة من الحركة بحسب ما تملك وكيف توظفه.
ويعكس سباق التسلح جانبًا من هذا التحول؛ فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.89 تريليون دولار في 2025، واستحوذت الدول الخمس الأعلى إنفاقًا ــ الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا والهند ــ على نحو 58% منه.
لكن تعدد القوى لا يعني بالضرورة عالمًا أكثر استقرارًا. فقد يحد من قدرة دولة واحدة على الانفراد، ويمنح الدول الأخرى مساحة أوسع للمناورة، لكنه قد يزيد أيضًا سباقات التسلح والتحالفات المتغيرة والصراع على الموارد والأسواق والتكنولوجيا.
ولذلك فالسؤال الأهم ليس: هل يصبح العالم متعدد الأقطاب؟
بل: هل يستطيع عالم متعدد القوى أن يضع قواعد تمنع تنافسه من التحول إلى فوضى؟
فوجود قطب مهيمن قد يسمح بقدر أكبر من الانفراد، بينما قد يزيد تعدد الأقطاب احتمالات التنافس؛ وفي الحالتين تبقى الحاجة إلى قواعد ومؤسسات قادرة على إدارة المصالح المتعارضة ومنع القوة من أن تصبح وحدها الفيصل بين الدول.
وهنا نصل إلى المقال القادم:
إذا كانت موازين العالم تتغير أسرع من المؤسسات التي أُنشئت لإدارته، فهل تصمد مؤسسات الأمس أمام موازين الغد؟





