
هناك ثروات لا تقاس بالمال ولا تستخرج من باطن الأرض ولا تدرج في حسابات الموازنات إنها ثروة العقول.
والمؤسف أن السودان يمتلك آلاف العقول والكفاءات التي صنعت لنفسها مواقع متميزة خارج الوطن بينما لا تزال بلادها في أمس الحاجة إلى علمها وخبرتها وتجربتها.
المشكلة ليست دائماً في أن السوداني غادر وطنه وإنما في أن الوطن لم ينجح في كثير من الأحيان في الاحتفاظ بكفاءاته أو استدعائها عندما يحتاج إليها.
كم من عالم وخبير ومهندس وطبيب وأستاذ جامعي غادر السودان ثم وجد في بلاد أخرى التقدير والبيئة المناسبة للعمل والإبداع فأصبح شريكا في بناء مؤسسات ومشروعات خارج وطنه بينما بقي السودان يخسر عاماً بعد عام جزءاً من رأس ماله البشري.
واليوم أتوقف عند نموذج يستحق الإشارة إليه هو المهندس إسماعيل بابكر الكاتب والخبير في التكنولوجيا وتقنية المعلومات والأمن السيبراني الذي ظل يقدم في مجاله ولم يتوقف عطاؤه العلمي رغم ظروف الغربة.
المهندس إسماعيل بابكر ألف عددا من الكتب المتخصصة وأسهم في مجال التدريب ونشر المعرفة ولا يزال يواصل مشروعه العلمي، ومن أبرز مشروعاته الحالية كتاب «استراتيجية التحول الرقمي نحو بناء مؤسسات ذكية وآمنة ومستدامة» في نحو 200 صفحة.
الكتاب يأتي في توقيت بالغ الأهمية إذ يتناول التحول الرقمي باعتباره ضرورة لبناء مؤسسات حديثة، ويقدم إطاراً عملياً واستراتيجياً يساعد المؤسسات والحكومات والقطاع الخاص على فهم التحول الرقمي وتحديد الأولويات وتنفيذ المشروعات وقياس النتائج وإدارة المخاطر.
وهذا النموذج وغيره يؤكد أن السودان لا تنقصه العقول وإنما يحتاج إلى منظومة تعرف كيف تصل إليها وتستفيد منها.
السودان بعد الحرب يحتاج إلى عقول أبنائه نحن مقبلون على مرحلة إعادة بناء وإعمار وهذه المرحلة لا تحتاج فقط إلى الأموال والمساعدات والمنشآت وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى الخبرة السودانية.
نحتاج إلى من يعرف التكنولوجيا ومن يفهم الاقتصاد ومن يمتلك الخبرة في الإدارة ومن يستطيع بناء الأنظمة الرقمية ومن يضع خطط الأمن السيبراني ومن يطور التعليم والصحة والزراعة والصناعة.
ولذلك فإن إعادة الإعمار الحقيقية يجب أن تبدأ أيضا بإعادة وصل السودان بكفاءاته المنتشرة في العالم فرسالتي إلى القيادة في الوطن
السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان والسيد رئيس الوزراء لا تنتظروا أن تعود الكفاءات المهاجرة من تلقاء نفسها.
ابحثوا عنها تواصلوا معها افتحوا لها الأبواب. واستفيدوا من خبراتها.
أنشئوا قاعدة بيانات وطنية للكفاءات السودانية في الخارج واعرفوا تخصصاتهم وخبراتهم ومواقعهم وأوجدوا لهم مسارات واضحة للمشاركة في بناء الدولة سواء بالعودة المباشرة أو عبر المشروعات والاستشارات والتدريب ونقل المعرفة.
فليس مطلوبا من كل سوداني في الخارج أن يترك عمله وحياته ويعود غدا إلى السودان لكن المطلوب أن يشعر بأن علمه وخبرته ما زالا جزءا من مشروع وطنه.
والحقيقة أن السودان لا يحتاج إلى استيراد العقول لأن عقول أبنائه موجودة في كل مكان فقط علينا أن نعرف أين هم.
المهندس إسماعيل بابكر نموذج وهناك مئات وآلاف من أمثاله ينتظرون أن يسمعوا صوت وطنهم ، لقد آن الأوان أن ننتقل من مرحلة الحديث عن الكفاءات إلى مرحلة اكتشافها واستقطابها وتمكينها ، فإعادة إعمار السودان ليس إعمار الحجر وحده وإنما إعمار الإنسان والعقل والمؤسسة، وإذا أحسنا استثمار عقولنا المهاجرة فإننا لا نستعيد أفرادا فقط بل نستعيد ثروة وطنية كاملة.
فهل تبدأ الدولة مشروع استعادة الكفاءات السودانية المهاجرة؟
ولنا عودة.
٥ اكتوبر ٢٠٢٦م





