مقالات

حين تهجر العقول كليات الإنتاج فساد البيئة العامة وأزمة المستقبل الصامتة

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

ليست كل الكوارث تأتي على هيئة حرب، ولا كل الانهيارات تُرى في الأسواق والطرقات؛ فبعض الأزمات تنمو في صمت حتى نكتشف أننا لم نفقد مؤسسة أو دفعة طلابية فحسب، بل فقدنا جزءًا من قدرة الأمة على صناعة مستقبلها.
ومن هذا الباب يجيء ما نسمعه عن عزوف بعض الطلاب عن الالتحاق بكليات الزراعة والغابات والمراعي والموارد الطبيعية وبعض فروع العلوم التطبيقية المرتبطة بالأرض والمياه والبيئة والإنتاج. وهذه ليست مسألة قبول جامعي عابرة، بل جرس إنذار يكشف أثرًا من آثار فساد البيئة العامة وما تفرزه من اختلالات قائمة وقادمة.

فأن يقل الإقبال على هذه التخصصات في بلد مثل السودان ليس أمرًا طبيعيًا، وهو بلد ظل يردد طويلًا أنه مؤهل لأن يكون سلة غذاء العالم. كيف تنحسر الرغبة في دراسة الزراعة والموارد الطبيعية، بينما يملأ الخطاب العام الدنيا حديثًا عن الأمن الغذائي، والصادر الزراعي، ومكافحة التصحر، وتنمية الريف، وإعادة بناء الاقتصاد؟
المشكلة ليست في التخصصات نفسها؛ فالأرض لا تزال محتاجة إلى العلم، والغابات إلى الحماية، والمراعي إلى الإدارة، والمياه والتربة والمناخ إلى الخبراء. لكن الطالب لا يختار تخصصه في فراغ، والأسرة لا تدفع أبناءها إلى طريق لا ترى فيه كرامة مهنية أو دخلًا مجزيًا أو مستقبلًا واضحًا. إنهم ينظرون إلى الواقع: أين فرص العمل؟ أين قيمة الخريج؟ أين المزارع الحديثة؟ أين البحث العلمي؟ أين الشركات الزراعية؟ وأين الدولة التي تطلب العلم وتبني به سياساتها؟
فإذا غابت الإجابات المقنعة، أصبح العزوف مفهومًا، وإن كانت عواقبه وطنية خطيرة. وهنا يظهر أن الفساد لا يعني فقط مالًا منهوبًا أو عقدًا غامضًا، بل قد يعني بيئة كاملة تطرد العقول من ميادين الإنتاج، وتضعف قيمة العلم التطبيقي، وتترك الزراعة بلا تمويل مستقر، والبحث بلا إمكانات، والكليات بلا معامل ومزارع تدريبية كافية، والخريجين بلا سوق عمل واضح.

ولذلك فإن ضعف الإقبال على هذه الكليات علامة على اهتزاز الصلة بين التعليم والتنمية. فالجامعة لا تُقاس بعدد مبانيها ولا بقدم اسمها، بل بقدرتها على إعداد الإنسان الذي يحتاجه الوطن. وإذا كان السودان غنيًا بأرضه ومياهه ومراعيه وغاباته، ثم ضعف الإقبال على دراسة هذه الموارد وإدارتها، فالأزمة هنا ليست أزمة قبول جامعي، بل أزمة رؤية وطنية.
إننا نكرر أن السودان يستطيع أن يزرع وينتج ويطعم نفسه وغيره، لكن السؤال الأهم هو: من الذي سيزرع بعلم؟ ومن الذي سيدير التربة والمياه، ويحسن البذور، ويقاوم الآفات، ويحافظ على الغابات، ويستخدم الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية، ويحوّل الزراعة من جهد تقليدي إلى اقتصاد حديث قادر على المنافسة؟

لا تكفي الأرض الواسعة؛ فالأرض بلا علم قد تُستنزف، والمياه بلا إدارة قد تُهدر، والشباب بلا مسار منتج قد يضيعون في البطالة والهجرة والأعمال الهامشية. كما لا يكفي شعار «سلة غذاء العالم» ما لم نُعدّ الإنسان القادر على تحويله إلى واقع، فالدول لا تنهض بالموارد الخام وحدها، بل حين تقرنها بالعلم والإدارة والتمويل والسوق والقانون.
وإذا استمر العزوف، فلن تقف نتائجه عند نقص أعداد الطلاب، بل قد يمتد إلى تراجع الخبرات الوطنية، واتساع الفجوة بين احتياجات البلاد وقدراتها البشرية، وضعف إدارة الموارد، وتراجع الإنتاج، وتفاقم التصحر، وضياع فرص الاستثمار الزراعي، والاضطرار إلى البحث عن خبرات لا تجدها البلاد حين تحتاج إليها.

وحين تضعف قيمة التخصصات الإنتاجية في وعي المجتمع، فذلك يعني أن الدولة لم تنجح في جعل الإنتاج طريقًا للكرامة والثراء المشروع، ولم تجعل العلم الزراعي والغابي والمائي جزءًا من مشروع وطني جاد.
والعلاج لا يكون بنداء عاطفي للطلاب، ولا بحملة إعلامية موسمية، ولا برفع أرقام القبول على الورق، بل بإصلاح البيئة التي جعلت هذه التخصصات طاردة. ينبغي أن يرى الطالب أن للمهندس الزراعي مستقبلًا، ولخبير الغابات قيمة، ولاختصاصي المراعي موقعًا، وأن خريج الموارد الطبيعية يستطيع أن يجد عملًا محترمًا أو يؤسس مشروعًا أو يدخل شراكة إنتاجية حقيقية.
ويتطلب ذلك تحديث المناهج لتشمل الزراعة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بعد، وإدارة المياه، وتحليل التربة، وسلاسل القيمة، وريادة الأعمال الزراعية؛ وتأهيل المعامل والمزارع التعليمية؛ وربط الجامعات بمؤسسات الزراعة والري والغابات والثروة الحيوانية والبيئة؛ وفتح التدريب في المشروعات الكبرى؛ وتقديم الحوافز للطلاب المتفوقين؛ وإنشاء شراكات بحثية وإنتاجية مع القطاع الخاص؛ وربط التمويل الزراعي بالخريجين ورواد الأعمال؛ وإنشاء حاضنات للمشروعات الزراعية والبيئية داخل الجامعات.

لكن هذه الإجراءات لن تبلغ غايتها إذا بقيت البيئة الاقتصادية العامة مختلة. فكيف نطلب من الشباب الإقبال على الزراعة، بينما يواجه الاستثمار الزراعي اضطراب العملة، وتعدد الرسوم والجبايات، وتعقيد الإجراءات، وضعف التمويل، وغموض العقود، وتداخل الصلاحيات؟ وكيف يثق الطالب في مستقبل الزراعة وهو يرى المنتج ينجح في الحقل ثم يخسر في السوق، أو يعجز عن التخزين والنقل والتصنيع والتصدير؟
إن إصلاح التعليم الزراعي لا ينفصل عن إصلاح بيئة الاقتصاد كلها. فالتعليم المنتج يحتاج إلى اقتصاد حي، والاقتصاد الزراعي يحتاج إلى قوانين واضحة، وتمويل منضبط، وسعر صرف شفاف، ورسوم موحدة، وطرق ومخازن ومصانع وموانئ وجمارك ومواصفات تعمل في منظومة واحدة.

كما أن الإعلام يؤدي دورًا مهمًا في تغيير الصورة الذهنية؛ فلا ينبغي أن تبقى الزراعة في أذهان الشباب مرتبطة بالمشقة والفقر والعمل التقليدي. فالزراعة الحديثة علم وتقنية وإدارة وصناعة وتصدير وذكاء اصطناعي وطائرات مسيرة وتحليل بيانات، والغابات أمن بيئي واقتصادي، والمراعي أساس للثروة الحيوانية وصناعة اللحوم والألبان والصادر. غير أن الإعلام لا يستطيع وحده أن يصنع مستقبلًا لا يؤيده الواقع.
إن أخطر ما في فساد البيئة العامة أنه يجعل الأمة تهزم شعاراتها بيديها؛ نقول إن السودان بلد زراعي ثم نترك كليات الزراعة تضعف، ونرفع شعار الأمن الغذائي ثم لا نصنع للخبير الزراعي مكانته، ونتحدث عن الصادر ثم لا نبني سلاسل القيمة، وندعو إلى التنمية ثم نترك التعليم المنتج بلا مشروع وطني يحمله.

ولهذا فإن إنقاذ كليات الزراعة والغابات والمراعي والموارد الطبيعية ليس إنقاذًا لمؤسسات تعليمية فحسب، بل حماية لمسار وطني كامل. وهو يتطلب مراجعة قومية عاجلة للتخصصات الإنتاجية، تشترك فيها مؤسسات التعليم والزراعة والري والثروة الحيوانية والبيئة والقطاع الخاص والإعلام.
وخلاصة الأمر أن كل ما ندعو إليه من تحديث للمناهج، وتأهيل للمعامل والمزارع التعليمية، وربط للجامعات بسوق العمل، وتشجيع للطلاب، وتفعيل للشراكات، لن يبلغ ثمرته الكاملة ما لم تتنزل معه حزمة إصلاح البيئة العامة متكاملة ومتوازية لا منفصلة ولا متتالية، تشمل استقرار الحكم، ونفاذ القانون، وإصلاح الاقتصاد، وتحرير سعر الصرف وفق العرض والطلب عبر منصة معلنة، وتوحيد الرسوم والجبايات، والحوكمة والرقمنة، وحماية العقود والاستثمارات، وفتح السوق للمنافسة والإنتاج.

فإذا صلحت البيئة العامة، عاد العلم إلى الأرض، وعادت الأرض إلى الإنتاج، وعاد الإنتاج إلى الاقتصاد وخدمة الناس. أما إذا بقيت البيئة مختلة، فستظل الشعارات عالية، بينما تتآكل في صمت الأعمدة التي كان ينبغي أن تحملها.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الحديث عن إمكاناته، فقد سمع الناس ذلك طويلًا، وإنما يحتاج إلى بناء الأدوات التي تحول الإمكانات إلى واقع. وأول هذه الأدوات الإنسان المتعلم المنتج، الذي يعرف الأرض والماء والغابة والمرعى، ويملك علمًا حديثًا وبيئة عادلة وسوقًا واضحًا ودولة تحترم الإنتاج. فإذا هجرت العقول هذه الميادين، فلن تكون الخسارة خسارة جامعة، بل خسارة وطن بأكمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى