مقالات

من ينصف هؤلاء ياوالي نهر النيل؟

محجوب ابو القاسم يكتب |

من المعلوم بأن اي حرب تضاعف معاناة الناس وتتسع دائرة الأعباء حتى تصبح الحياة اليومية معركة أخرى لا تقل قسوة عن أصوات المدافع ودوي المعارك فمنذ اندلاع الحرب في السودان عاش المواطنون ظروف استثنائية دفعت ملايين الأسر إلى مواجهة تحديات النزوح واللجوء وفقدان مصادر الدخل فيما تكبدت البلاد خسائر اقتصادية واجتماعية ضخمة ما زالت آثارها تتفاقم يوم بعد يوم.

لقد ألحقت الحرب بالمواطنين أضرار جسيمة فهناك من فقد منزله ومن فقد وظيفته ومن فقد مدخراته التي جمعها طوال سنوات عمره وبين هذا وذاك وجد آلاف الموظفين الحكوميين أنفسهم أمام واقع جديد فرض عليهم البحث عن بدائل تحفظ لهم ولأسرهم الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ومع انتقال مؤسسات الدولة إلى العاصمة الإدارية البديلة اقتصر العمل على عدد محدود من الموظفين بينما اضطر اخرين إلى طرق أبواب الرزق المختلفة بحثا عن لقمة عيش كريمة بعيد عن انتظار راتب لم يعد يواكب متطلبات الحياة في ظل التضخم المتصاعد والارتفاع المستمر في الأسعار.

أحد هؤلاء الموظفين حكى لي قصة تعكس واقع شريحة واسعة منهم فبعد أن نجت مركبته من نهب الجنجويد غادر بها العاصمة وقرر أن يبدأ حياة جديدة من خلال العمل في نقل المواطنين بين المدن وداخلها فلم ينتظر دعم من أحد ولم يمد يده طلبا للمساعدة بل اختار العمل الشريف والكسب الحلال.
وبفضل جهده ومثابرته استطاع أن يوفر في يوم واحد ما يعادل راتب شهر كامل من وظيفته الحكومية السابقة كما أسهم في خدمة المواطنين وتسهيل حركة السفر والتنقل في ظروف بالغة التعقيد.

غير أن المفاجأة جاءت هذه المرة من جهة أخرى فبحسب شكواه والمستند الذي أرسله لي تعرض لغرامة مالية بلغت مائتي ألف جنيه بسبب تحميل الركاب من خارج الميناء البري بمدينة عطبرة ورغم أهمية التنظيم وضرورة الالتزام بالقوانين إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل تتناسب هذه العقوبات مع الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها المواطنون؟ وهل أصبح المطلوب من البسطاء أن يخوضوا معركة جديدة مع الرسوم والغرامات بعد أن أنهكتهم الحرب؟

إن المواطن الذي اضطرته الظروف لترك الوظيفة الحكومية والبحث عن مصدر دخل بديل لا يستحق أن يعامل باعتباره خصم أو مخالف يجب مطاردته بل ينبغي النظر إليه باعتباره شريك في تجاوز الأزمة الاقتصادية وتخفيف الأعباء عن المجتمع،والأهم من ذلك أن أي رسوم أو غرامات يتم تحصيلها يجب أن تتم عبر إجراءات واضحة وشفافة مع إصدار إيصالات إلكترونية معتمدة تضمن معرفة مصير هذه الأموال وكيفية توريدها إلى الخزينة العامةتعزيزا لمبادئ الشفافية والمساءلة.

إن الرسالة الموجهة إلى حكومة ولاية نهر النيل وعلى رأسها الوالي الدكتور عبدالماجد هي أن تنظر بعين الرحمة والإنصاف إلى هذه الفئات التي أنهكتها الحرب. فالناس لا يرفضون التنظيم ولا يعارضون تطبيق القانون لكنهم يتطلعون إلى لوائح تراعي واقعهم الاستثنائي وإجراءات تساعدهم على العمل والإنتاج بدلا من أن تتحول إلى عبء جديد يثقل كواهلهم.

لا تقاس قوة الحكومة في أوقات الأزمات بقدرتها على فرض الرسوم والعقوبات وإنما بقدرتها على حماية المواطنين وتخفيف معاناتهم وفتح أبواب الرزق أمامهم.

ويبقى الأمل أن تجد هذه الشكوى آذانا صاغية وأن تكون العدالة والرحمة حاضرتين في كل قرار يمس حياة الناس وأرزاقهم ، فهل تكرمت السيد والي نهر النيل بإلغاء هذه الجباية وتقنييها بإجراءات تسهل على كل الأطراف، ، ننتظر منك قرار يفرح هؤلاء الفئة واسرهم واطفالهم الذين اعتمدوا على وظيفتهم الجديدة.

ولنا عودة

20 يونيو 2026م

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى