مشروع الغرة الإعلامي للتعافي معركة الوعي التي تواجه الشائعات وتعيد ترميم النسيج الوطني
همس البوادي|سعاد سلامة

ليست كل الحروب تنتهي بإسكات البنادق وليست كل الانتصارات ما تحققه الجيوش في ميادين القتال فهناك معارك أخطر تدور في عقول الناس ووجدانهم حيث تتسلل الشائعات وتُزرع بذور الكراهية وتُستهدف الثقة بين أبناء الوطن الواحد وفي هذه المعارك تصبح الكلمة مسؤولية وطنية ويصبح الإعلام ساحة لا تقل أهمية عن ساحات المواجهة لأن الأوطان قد تنجو من دمار الحجر لكنها لا تبلغ عافيتها الكاملة ما لم تنجُ من دمار الوعي وتمزق النسيج الاجتماعي
من هذا المنطلق يكتسب تدشين مشروع الغرة الإعلامي للتعافي بولاية شمال كردفان أهمية تتجاوز حدود المبادرات الإعلامية التقليدية فهو تحرك باتجاه معركة الوعي واستعادة التماسك المجتمعي ومواجهة التضليل الذي يهدد استقرار المجتمعات في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إعلام يضع الحقيقة في مقدمة رسالته ويجعل من الكلمة جسراً للتعافي لا معبراً للفتنة ومن المعرفة سلاحاً لحماية المجتمع من محاولات التضليل والتفكيك
إن تدشين المشروع بمكتب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة والإعلام والشباب والرياضة الأستاذ جماع المهدي جماع يمثل خطوة نحو توظيف الإعلام في خدمة التعافي الوطني ومناهضة خطاب الكراهية ودحض الشائعات التي تنتجها غرف المليشيا المتمردة وفق ما جاء في أهداف المشروع وذلك بحضور مدير وكالة السودان للأنباء ومدير الإدارة العامة للثقافة والإعلام بالمجلس ومدير قطاع الإذاعة إلى جانب عدد من الصحفيين والإعلاميين
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع أن الشائعة لا تنتشر دائماً لقوة حجتها بل قد تنتشر حين تتأخر المعلومة الصحيحة وحين يترك الإعلام فراغاً تتسلل منه الأخبار المضللة ولذلك فإن مواجهة الشائعات لا تبدأ بعد انتشارها وإنما تبدأ بإعلام مبادر وسريع ومهني يملك المعلومة ويتحقق من مصادرها ويصل إلى المواطن في الوقت المناسب ويضع أمامه الحقائق بوضوح ومسؤولية
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لمشروع الغرة الإعلامي للتعافي فهو ليس مجرد عنوان جديد في المشهد الإعلامي بشمال كردفان بل فرصة لإعادة تعريف دور الإعلام في مرحلة ما بعد الصدمات فالإعلام الناجح لا يكتفي بنقل ما يحدث وإنما يساعد المجتمع على فهم ما يحدث ويمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل ويعمل على حماية الروابط الاجتماعية من محاولات التمزيق والتحريض
لقد أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة والإعلام والشباب والرياضة الناطق الرسمي باسم حكومة الولاية الأستاذ جماع المهدي جماع أهمية الدور الذي يضطلع به الإعلام خلال الفترة الاستثنائية الحرجة التي مرت بها البلاد مشيداً بإسهاماته في محاربة الشائعات والمساعدة على تطبيع الحياة العامة وداعياً الصحفيين والإعلاميين إلى إنتاج أعمال إعلامية تدعم توجهات الدولة في توفير الخدمات للمواطنين وتساند القوات المسلحة والقوات المساندة لها في حرب الكرامة وتسهم في تشجيع العودة الطوعية للنازحين إلى قراهم ومدنهم المحررة
وهذه الدعوة تضع الإعلام أمام مسؤولية تتطلب الانتقال من ردود الأفعال إلى المبادرة ومن المعالجات العابرة إلى العمل المؤسسي المستمر فدعم الاستقرار لا يتحقق بالخطاب وحده وإنما بإعلام يربط الرسالة باحتياجات الناس ويمنح قضاياهم مساحة مستحقة ويقدم المعلومات المتعلقة بالخدمات والأوضاع في المناطق المتأثرة بالحرب بصورة دقيقة تساعد المواطنين على اتخاذ قراراتهم على أساس المعرفة
وفي ملف العودة الطوعية تحديداً تتضاعف مسؤولية الإعلام لأن العودة ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان النزوح إلى القرية أو المدينة بل قرار يرتبط بالأمن والخدمات وسبل العيش والاطمئنان إلى المستقبل ولذلك فإن الخطاب الإعلامي المسؤول هو الذي يقدم المعلومات الموثوقة ويبرز جهود التعافي ويعكس واقع المناطق المعنية دون تهويل أو تضليل أو وعود لا تسندها الحقائق
أما رتق النسيج الاجتماعي فهو جوهر التعافي وأحد أصعب تحديات المرحلة الراهنة فالحرب لا تترك آثارها في المباني والمؤسسات وحدها بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية وتزرع المخاوف والشكوك وتضعف الثقة بين مكونات المجتمع ومن هنا تبرز ضرورة أن يتبنى مشروع الغرة خطاباً إعلامياً يعزز قيم التسامح والتعايش والتضامن ويرفض التعميم والإساءة والتحريض ويؤكد أن اختلاف المواقف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة بين أبناء الوطن الواحد
وقد أشار الأمين العام إلى الدور الكبير للإعلام في تعزيز الاستقرار والتماسك المجتمعي ونبذ خطاب الكراهية عبر القوالب الإعلامية المتعددة وهي رسالة ينبغي أن تجد طريقها إلى الصحافة والإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية حتى لا تبقى محصورة في حدود اللقاءات والاجتماعات فالمطلوب إنتاج مواد إعلامية مؤثرة تصل إلى مختلف شرائح المجتمع وتخاطب احتياجاته بلغته وتستند إلى الوقائع وتفتح مساحات للحوار المسؤول
كما أشاد جماع المهدي بجهود القوات المسلحة والقوات المساندة لها في حرب الكرامة وما تحققه من تقدم في عدد من المحاور بكردفان وهو ما يضع أمام المؤسسات الإعلامية مسؤولية نقل التطورات بمهنية ودقة وتقديم المعلومات الموثوقة بما يعزز الوعي ويحفظ حق الجمهور في المعرفة
ومن المهم أن يتحول مشروع الغرة إلى عمل إعلامي مستمر تتكامل فيه جهود المؤسسات الرسمية والصحفيين والإذاعيين والإعلاميين وأن تُترجم الأفكار التي طُرحت خلال التدشين إلى خطط إنتاج واضحة تشمل حملات التوعية ومكافحة الشائعات والمواد التي تدعم التعافي والتماسك المجتمعي وتشجع المبادرات الإيجابية داخل المجتمعات المحلية.
إن مشاركة الصحفيين والإعلاميين بآرائهم وأفكارهم تمثل نقطة انطلاق مهمة لأن نجاح أي مشروع إعلامي يرتبط بقدرته على الاستماع إلى الميدان والاستفادة من الخبرات المهنية وتوسيع دائرة المشاركة غير أن النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم المواد المنشورة وحده بل بمدى تأثير الرسالة في وعي الناس وقدرتها على الحد من التضليل وتعزيز الثقة والمساهمة في استقرار المجتمع
وهنا تبرز أهمية وضع آليات واضحة لمتابعة أداء المشروع وقياس أثره وتطوير رسائله باستمرار حتى يظل قريباً من قضايا المواطنين ومواكباً للتحولات التي تشهدها الولاية فالمرحلة لا تحتمل عملاً موسمياً ينتهي بانتهاء المناسبة وإنما تحتاج إلى مشروع يمتلك رؤية واضحة وشراكات فاعلة ورسالة إعلامية ثابتة في مواجهة الشائعات والكراهية والتفكك الاجتماعي.
إن شمال كردفان بما تواجهه من تحديات تحتاج إلى إعلام يواكب جهود التعافي ويعزز روح المسؤولية الوطنية ويمنح المبادرات المجتمعية مساحة للنمو ويؤكد أن إعادة بناء السودان لا تقوم على استعادة الخدمات والمؤسسات وحدها وإنما تحتاج كذلك إلى ترميم الثقة وإحياء قيم التضامن وتحصين المجتمع بالوعي والمعرفة
إن مشروع الغرة الإعلامي للتعافي أمام امتحان حقيقي عنوانه الانتقال من تدشين الفكرة إلى صناعة الأثر ومن رفع الشعارات إلى تغيير الواقع فالكلمة التي لا تصل إلى المواطن ولا تحميه من التضليل ولا تسهم في رأب الصدع الاجتماعي تظل حبيسة المنابر أما الكلمة المسؤولة فهي التي تتحول إلى وعي وموقف وسلوك يعيد للمجتمع تماسكه وللحياة قدرتها على الاستمرار.
فاصلة
وفي نهاية المطاف فإن معركة التعافي لا تنتصر بالصمت ولا تُحسم بتكرار الشعارات وإنما تنتصر حين تتقدم الحقيقة وتتراجع الشائعة وحين يصبح الإعلام شريكاً في حماية الوعي وصون كرامة الإنسان وتعزيز وحدة المجتمع
فالأوطان التي تريد النهوض من تحت ركام الحرب تحتاج إلى من يعيد بناء مدارسها وطرقها ومؤسساتها لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى إعلام يعيد بناء الثقة في النفوس ويحاصر خطاب الكراهية بالحكمة ويواجه التضليل بالحقيقة ويجعل من الكلمة جسراً نحو الاستقرار لا خنجراً في جسد الوطن
اللهم آمنا في أوطاننا




