مقالات

السودان… بين توالد الأزمات وتكامل أسباب النهضة

بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

ليست أخطر أزمات الدول تلك التي تصيب قطاعًا بعينه، بل التي ينتقل فيها الخلل من قطاع إلى آخر، ثم يعود كل خلل ليغذي غيره، حتى تتشكل دائرة متشابكة تتوالد فيها الأزمات وتتفاقم. وهذا ما ينبغي إدراكه عند النظر إلى واقع السودان.
فحين تختل البيئة العامة، تتراجع الثقة والاستثمارات، وتهرب رؤوس الأموال والكفاءات، وينكمش الإنتاج، وتتقلص فرص العمل والدخول، ويتسع الفقر، وتضعف قدرة الدولة والأسر على تمويل التعليم والصحة والخدمات، فتتراجع كفاءة الإنسان وإنتاجيته، ويزداد الاقتصاد ضعفًا، وتتفاقم الاختلالات التي بدأت منها الأزمة.

ومع انخفاض الإنتاج والصادرات، يشتد الضغط على النقد الأجنبي والأسعار. وإذا عولج نقص الإيرادات بزيادة الجبايات على النشاط الاقتصادي، ارتفعت تكاليف الإنتاج والتجارة، وانكمش النشاط، فتراجعت الإيرادات مجددًا، وأصبح العلاج نفسه سببًا لتفاقم الأزمة.
وحين تتراجع الثقة في المصارف والمؤسسات، تتسع التعاملات خارج النظام الرسمي والأسواق الموازية، فتفقد الدولة موارد وبيانات وقدرة على إدارة الاقتصاد، ويزداد ضعف النظام الذي دفع الناس إلى الابتعاد عنه أصلًا.
ثم تمتد الأزمة إلى المجتمع؛ فالبطالة والفقر قد يؤخران الزواج وتكوين الأسر، ويزيدان الضغوط المعيشية والنزاعات الأسرية والهجرة، ويجعلان بعض الشباب أكثر عرضة للمخدرات والجريمة، خاصة مع ضعف إنفاذ القانون وانتشار السلاح والتهريب وتعدد مراكز القوة والجباية.

وفي الريف، يؤدي شح الموارد وضعف الخدمات والتفاوت التنموي إلى تأجيج النزاعات حول الأرض والمياه والمراعي، وقد تتحول المنافسة على الموارد إلى استقطاب قبلي وجهوي يهدد التماسك الاجتماعي.
ويدفع التعليم والصحة الثمن؛ فالفقر يضعف قدرة الأسر على تعليم أبنائها وعلاج مرضاها، وتتراجع إمكانات المؤسسات، وتهاجر الكفاءات، بينما تزيد الأمراض وسوء التغذية وضعف المياه والصرف الصحي من تراجع الإنتاجية. وإذا ضعفت الزراعة والطاقة والنقل والتخزين، ارتفعت أسعار الغذاء وزاد الاعتماد على الاستيراد، فأصبحت معيشة المواطن أشد تأثرًا بسعر العملة والأسواق الخارجية.
ومع تضاؤل فرص العيش وتفاقم النزاعات، يتزايد النزوح والهجرة، فتفقد مناطق الإنتاج جانبًا من قواها البشرية، وتزدحم المدن وتُرهق خدماتها. والأخطر هجرة العقول ورؤوس الأموال؛ إذ تخسر البلاد خبرات وقدرات تراكمت عبر عقود، وقد تحتاج إلى سنوات طويلة لتعويضها.

ويمتد الخلل إلى الموارد الطبيعية؛ فضعف الرقابة قد يحول الذهب والمعادن والغابات والمياه والأراضي إلى موارد تُستنزف لتخفيف ضائقة الحاضر على حساب المستقبل.
وتبقى من أخطر النتائج تآكل الثقة؛ فحين لا يُطبق القانون على الجميع بالتساوي، وتتعقد الإجراءات، ويضعف الأداء المؤسسي، يتسع التحايل ويحجم المستثمر وتهاجر الكفاءات، فتضعف المؤسسات أكثر. ومع تراجع الإنتاج والموارد، يزداد الاعتماد على الخارج في الغذاء والدواء والتمويل، ويضيق هامش الاستقلال الاقتصادي.
وهكذا فإن تراجع العملة والبطالة والفقر والجريمة والفساد وضعف التعليم والصحة والخدمات والهجرة ليست أزمات منفصلة، وإن كانت لكل منها أسبابها الخاصة؛ بل تتفاعل في البيئة المختلة حتى يصبح بعضها سببًا لتفاقم بعض.
لكن الحلقة التي تتوالد فيها الأزمات يمكن أن تنعكس لتتوالد فيها أسباب النهضة.

فحين يسود القانون، وتترسخ الحوكمة والرقمنة والشفافية، وتتحرر الأنشطة الاقتصادية من القيود والاحتكارات والتسعير الإداري، وتُحمى الحقوق والعقود وتُصان المنافسة، تتعزز الثقة وتتدفق الاستثمارات ويتوسع الإنتاج والتصدير والعمل. ومع نمو الاقتصاد تتسع الإيرادات العامة دون إرهاق النشاط بالجبايات، وتتحسن الخدمات والبنية الأساسية، وترتفع كفاءة الإنسان، فتزداد جاذبية البلاد للاستثمار والكفاءات، وتتسارع دورة النهوض.
ولا يكتمل هذا الإصلاح المؤسسي والاقتصادي إلا برؤية إصلاحية قيمية متكاملة، تستمد روحها من تعاليم ديننا الحنيف وتراثنا الحضاري الأصيل، وترسخ الصدق والأمانة والعدل والإتقان والمسؤولية واحترام الحقوق والتكافل؛ لتتكامل إصلاحات المؤسسات مع إصلاح الإنسان والمجتمع، وتشيع قيم الاستقامة والنزاهة في السلوك والمعاملات، فتنهض البلاد على أسس متينة من صلاح المباني والمعاني معًا.

إن إصلاح السودان ليس معالجة أزمات متفرقة، وإنما إصلاح جذري شامل للبيئة العامة، تتزامن فيه الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية والقانونية والرقمية والقيمية، ويعزز بعضها بعضًا.
وأخطر ما في تأجيل الإصلاح أن الزمن لا يُبقي الأزمات على حالها؛ بل تتراكم خسائرها، وتتجذر الممارسات والمصالح المرتبطة بها، وتزداد كلفة الخروج منها.
فالسؤال ليس أي أزمة نعالج أولًا، وإنما كيف نكسر الحلقة التي تتوالد فيها الأزمات، ونقيم بدلًا منها منظومة تتوالد فيها أسباب النهضة والازدهار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى