مقالات

حصاد زكاة الشمالية الرمضاني

رمضان محجوب

 

​▪️ مع اقتراب الشهر الفضيل وعطفاً على تقرير الأداء لديوان الزكاة بالولاية الشمالية حول برنامج الشهر الفضيل للعام الماضي، تبرز جغرافية التحدي المعيشي في محليات الولاية الشمالية بتباين ملحوظ يعكسه الحجم المالي المرصود؛ فقد تصدرت دنقلا المشهد بمبلغ تجاوز 1.8 مليار جنيه لخدمة أكثر من سبعين ألف مستفيد, بينما توزعت البقية على حلفا، دلقو، البرقيق، القولد، الدبة، ومروي.ويطرح هذا التفاوت الرقمي تساؤلات تحليلية حول آليات استشعار الحاجة في كل محلية، وما إذا كان يعبر عن كثافة سكانية حقيقية أم تباين في كفاءة وحرص الأجهزة القاعدية على حصر المستحقين بدقة.

​▪️ الكتلة النقدية الإجمالية التي وظفها ديوان الزكاة والبالغة نحو 9.2 مليار جنيه موزعة على اثني عشر محاور تنفيذية, تشير بوضوح إلى تنامي الاعتماد على شبكات الأمان الاجتماعي كخيار رئيسي لدعم الاستقرار المجتمعي في مواجهة الظروف الراهنة. غير أن قراءة هذه الأرقام تتطلب تجاوز الطابع الإغاثي الموسمي، لكونها تعكس حجماً ضخماً من الضغط المعيشي الذي تعاني منه القواعد الشعبية.

​▪️و استحواذ بند “فرحة الصائم” على الحصة الأكبر بمبلغ تجاوز 7.6 مليار جنيه لضمان الأمن الغذائي لنحو 58 ألف فرد يكشف عن فجوة هيكلية في توفير الاحتياجات الأساسية مع قدوم شهر الصيام. الاعتماد المفرط على المساعدات العينية المباشرة يقدم حلولاً مؤقتة لكنه يكرس لحالة الاعتمادية، مما يستوجب إعادة توجيه جزء من هذه الميزانيات نحو مشاريع إنتاجية مستدامة تقيل الأسر من عثرة الانتظار.

​▪️اما تخصيص أكثر من 625 مليون جنيه لدعم المجهود الحربي والارتكازات لخدمة آلاف المستفيدين فهو يجسد استجابة المؤسسة لواقع أمني ضاغط يفرض إيقاعه على أولويات الصرف ومصارف الزكاة تزامناً مع استحقاقات الشهر الكريم. الا ان التحدي المهني هنا يظل منحصراً في كيفية إيجاد توازن دقيق بين متطلبات الإسناد الملحة وبين المحافظة على استدامة البرامج التنموية والاجتماعية الأساسية الأخرى.

​▪️وتسلط إحصائية تفقد الأسر المتعففة التي استهدفت 140 أسرة بدعم مباشر بلغ 70 مليون جنيه بواقع خمسة ملايين للأسرة تسلط الضوء على صعوبة الوصول إلى هذه الشريحة الصامتة التي تعاني بصمت مع حلول المناسبات والأزمات. الأسر المتعففة بطبيعتها لا تظهر في الكشوفات التقليدية، وهو ما يفرض على الآليات الإدارية تطوير أدوات بحث ميداني أكثر حساسية ودقة لاختراق جدار العفة والوصول لمن لا يسألون الناس إلحافاً.

​▪️و خطوة إطلاق سراح النزلاء وفك غرم 21 غارماً بتكلفة تخطت 51 مليون جنيه تمثل تدخلاً إنسانياً استباقياً قبيل الشهر الفضيل في نهاية السلسلة القانونية. وهنا يقتضي التقويم السليم تحولاً استراتيجياً نحو معالجة مسببات التعثر المالي والفقر قبل وصول المتعثرين إلى ردهات السجون، لتلعب الزكاة دور المانع والواقي بدلاً من الاكتفاء بدور المسدد المتأخر.

​▪️من المعلوم بمكان ان الاعتماد الغالب على التوزيع النقدي المباشر رغم سرعته في مواجهة أعباء المناسبة، يحمل مخاطر تضخمية وهدراً محتملاً في قنوات الصرف. الروشتة التقنية هنا تحتم الإسراع في رقمنة عمليات الحصر والتوزيع، وربط قواعد البيانات بين الجهات المختلفة لمنع ازدواجية الاستفادة ورفع كفاءة إيصال الموارد لمستحقيها الحقيقيين بلا وسائط.

​▪️و نجاح الهياكل الإدارية في إدارة وتنفيذ هذا الحجم من البرامج الرمضانية يعكس كفاءة تنظيمية واضحة، غير أن الاعتماد على وعاء الزكاة وحده يضع ضغطاً هائلاً على موارده المتقلبة. مطلوب تفعيل أدوات المسؤولية الاجتماعية للقطاع التجاري والمستثمرين المحليين لخلق مظلة تمويلية أوسع ترفع العبء عن كاهل الديوان وتسمح له بالتوسع في برامج التمكين.

​▪️ قياس الأثر الحقيقي لتلك المليارات يظل هو المحك الأساسي لأي تقييم موضوعي؛ فنجاح العمل الإغاثي المرتبط بالمواسم لا يقاس بحجم الأموال المضخة بل بمعدل تقلص أعداد المحتاجين وانتقالهم من خانة “الاستهلاك” إلى دائرة “الإنتاج”. هذا التحول يتطلب إستراتيجية واضحة تدمج الفئات الشبابية والنسوية في مشروعات صغيرة ذات جدوى اقتصادية حقيقية.

​▪️ عموما… خلاصة المشهد تقود إلى أن الأرقام الضخمة تشكل وثيقة أداء محاسبية ممتازة في مواجهة استحقاقات الموسم، لكنها تبقي ناقصة ما لم تقترن بمراجعة هيكلية لأولويات الإنفاق. الروشتة للمرحلة المقبلة تلخصها ضرورة مغادرة مربع الإغاثة الموسمية المباشرة نحو آفاق التنمية الاقتصادية المستقلة، وتحويل الدعم من سد رمق العوز الآني إلى بناء مناعة مجتمعية قادرة على مواجهة تقلبات الظروف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى