المجلس السعودي–السوداني… الفرصة التي يجب ألا نضيّعها
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

وقّع السودان والمملكة العربية السعودية في الرياض وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني، ليكون إطارًا مؤسسيًا يجمع الجهات المعنية في البلدين، وينقل العلاقة من الاتفاقات والمشاورات المتفرقة إلى مبادرات ومشروعات ومستهدفات قابلة للمتابعة والقياس. وتزداد أهمية المجلس
في توقيت يحتاج فيه السودان إلى إعادة الإعمار واستعادة الإنتاج وجذب رؤوس الأموال، بينما تمتلك المملكة قدرات مالية واستثمارية كبيرة، وتجمع البلدين مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة، في مقدمتها البحر الأحمر والأمن الغذائي.
وتشير المعلومات المنشورة قبيل تأسيس المجلس إلى عشرة ملفات اقتصادية رئيسية مطروحة للتعاون، تشمل إعادة الإعمار، والزراعة والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية، والذهب والتعدين، والبحر الأحمر والموانئ، والطاقة والكهرباء، والتمويل والمصارف، والصناعة والتصنيع الغذائي، والاتصالات والتحول الرقمي، والسياحة والعقار والخدمات. وهذه ليست ملفات هامشية، بل تكاد تمثل مفاتيح إعادة بناء الاقتصاد السوداني كله.
لكن السؤال الأهم ليس: ماذا تستطيع السعودية أن تقدم للسودان؟ بل: هل أعدّ السودان نفسه ليستفيد مما يمكن أن تقدمه السعودية؟
لقد مرت على السودان عبر العقود فرص كثيرة للاستثمار والتمويل والتعاون، وضاع جانب معتبر منها، لا دائمًا لغياب المستثمر أو التمويل أو الموارد، وإنما لأن البيئة المحلية نفسها لم تكن مهيأة لتحويل الفرصة إلى مشروع ناجح
ومستدام. ولذلك فإن إنشاء المجلس، على أهميته، لن يصنع المعجزة وحده ما لم يسبقه ويصاحبه إصلاح داخلي شامل.
والبداية هي إصلاح البيئة الاقتصادية العامة بحزمة متكاملة ومتوازية، لا بإجراءات جزئية متفرقة. وفي قلبها التحرير الاقتصادي المنضبط، ومنه تحرير سوق النقد الأجنبي وتوحيد سعر الصرف، من خلال سوق شفافة ومنظمة ومنصة تجمع العرض والطلب الحقيقيين، وتتيح
دخول الأموال وتحويلها وخروج الأرباح ورأس المال عبر قنوات قانونية واضحة. فكيف نفاوض مستثمرًا يريد إدخال رؤوس أموال قد تبلغ المليارات، فضلًا عن أن نقنعه بالاستثمار، إذا لم يعرف ابتداءً بأي سعر يدخل أمواله، وكيف يحوّل احتياجات مشروعه، وبأي آلية يسترد رأسماله وأرباحه؟
غير أن تحرير العملة ليس جزيرة منفصلة، ولن ينجح وحده؛ بل ينبغي أن يكون جزءًا من حزمة تشمل ضبط المالية العامة، والحد من التمويل التضخمي، وإصلاح الجهاز المصرفي، واستقرار القوانين والسياسات، وحماية الملكية والعقود، وسرعة القضاء وفض النزاعات، وإصلاح الضرائب والجمارك، وإلغاء تعدد الرسوم والجبايات المعوقة، وتوحيد إجراءات الاستثمار في نافذة حقيقية واحدة، ومحاربة
الفساد والاحتكار، ورقمنة الدولة، وبناء قواعد بيانات دقيقة وشفافة، وحسم قضايا الأراضي وتسجيلها وحقوق الانتفاع بها. ولا يكفي أن تكون القواعد جاذبة عند الدخول، بل يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ، وألا تتغير بعد ضخ الأموال إلا وفق القانون وقواعد معلومة.
أما الكهرباء والطاقة والمياه والري والطرق والسكك الحديدية والموانئ والاتصالات والتخزين وسلاسل التبريد والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية، فليس مطلوبًا أن ينجزها السودان كلها مسبقًا حتى يأتي المستثمر؛ إذ يمكن
أن تكون هي نفسها مجالات للاستثمار ضمن حزمة متكاملة متى وجد المستثمر بيئة عامة صالحة وقواعد مستقرة ومعلومة. وقد ينشئ المستثمر ضمن مشروعه ما يحتاج إليه منها، أو تدخل شركات أخرى لتأسيسها بوصفها مشروعات استثمارية قائمة بذاتها. والمطلوب من السودان ليس أن يعد المستثمر شفاهة بأن كل شيء سيصلح لاحقًا، وإنما أن يثبت له عمليًا أن البيئة القانونية والنقدية والإدارية أصبحت صالحة لأن يبني عليها استثماره بثقة.
كما ينبغي أن تتغير طريقة تعاملنا مع الاستثمار نفسه. فليس المطلوب أن نذهب إلى المجلس بدراسات جدوى تفصيلية مكتملة لكل مشروع ثم نطلب من المستثمر أن يقبلها كما هي؛ وإنما يكفي في كثير من الحالات أن يقدم السودان فرصًا واضحة ذات مؤشرات أولية جادة: مورد متاح، وموقع مناسب، وسوق محتملة، وإمكانات إنتاج وتصدير، وإطار قانوني معلوم. وفي ظل بيئة كلية سليمة يستطيع المستثمر
أن يلتقط الفكرة ويجري دراسته الفنية والمالية الشاملة وفق رؤيته وخبرته، بما في ذلك احتياجات البنية التحتية وسلاسل القيمة والقطاعات المترابطة التي تخدم مشروعه؛ فهذه من صميم ما يبنيه المستثمر نفسه بعد اطمئنانه إلى صلاح البيئة العامة.
بل ربما كان من الحكمة في هذه المرحلة أن نستمع منذ البداية إلى رؤية المستثمر السعودي في صيغة الشراكة التي يفضلها، وأن نتيح له مساحة مناسبة لطرح النموذج الذي يشجعه على الدخول، في إطار قانوني واضح يحقق مصلحة الطرفين واستدامة المشروع. فالسودان اليوم يحتاج إلى استثمارات رائدة تفتتح دورة النهضة وتكسر حاجز التردد؛ وإذا دخل استثمار جاد فأقام إنتاجًا وبنية أساسية وفرص عمل وصادرات ونقل خبرة، كان ذلك مكسبًا للسودان وشريكه معًا.
والأصل ألا تُبنى الجاذبية الاستثمارية على الاستثناءات الخاصة، بل على إصلاح بيئة الأعمال بحيث تصبح واضحة وعادلة وجاذبة للمستثمر الوطني والأجنبي معًا؛ فصلاح البيئة هو الضمان الحقيقي للاستثمار، لا كثرة الإعفاءات ولا القرارات الاستثنائية.
كما يحتاج السودان، من جانبه، إلى فريق تنفيذي دائم رفيع المستوى للمجلس، محدود العدد، واضح الصلاحيات وسريع القرار، يتبع مباشرة لأعلى سلطة تنفيذية مختصة وفق الترتيب المؤسسي المعتمد، ويتابع كل فرصة من لحظة عرضها حتى انتقالها إلى الدراسة والاتفاق والتنفيذ، ويمنع أن تضيع الملفات بين الوزارات والولايات واللجان وتعدد الاختصاصات.
إن المملكة تستطيع أن تكون شريكًا استراتيجيًا مهمًا للسودان، والمجلس الجديد يمكن أن يكون من أفضل الأدوات التي أتيحت لتنظيم هذه الشراكة، لكنه لا يستطيع إصلاح السودان نيابة عن السودانيين. فالمال يبحث عن البيئة التي تحميه، والمستثمر يقارن بين الدول قبل أن يختار بينها، والموارد الطبيعية مهما عظمت لا تعوض اضطراب السياسات والقوانين والنقد والإدارة.
ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يفعله السودان لإنجاح مجلس التنسيق السعودي–السوداني ليس إعداد مراسم اجتماعاته، وإنما إعداد السودان نفسه: دولة بقواعد معلومة، وسوق نقد شفافة، وقانون نافذ، وإدارة رقمية سريعة، وحقوق ملكية واضحة، وفرص استثمارية قابلة للبناء والتوسع.
وعندها لن يكون المجلس بابًا للاستثمار السعودي وحده، بل يمكن أن يكون بوابة أوسع لرأس المال العربي والإقليمي والدولي. غير أن دخول السعودية أولًا له وزنه الخاص؛ لما لها من ثقل اقتصادي وسياسي، وقرب جغرافي، ومصالح مباشرة في البحر الأحمر والأمن الغذائي، فضلًا عن أن نجاح استثمار سعودي كبير في السودان قد يمنح بقية المستثمرين إشارة ثقة قوية بأن البيئة الجديدة أصبحت جديرة بالدخول.
أما إذا بقينا نبحث عن المستثمر قبل أن نصلح البيئة التي سيستثمر فيها، فقد نحتفي اليوم بفرصة ذهبية جديدة، ثم نعود غدًا لنسأل السؤال القديم: كيف ضاعت منا هذه الفرصة أيضًا؟




