
1️⃣
التغيرات التي أعلنها الرئيس البرهان هذا الشهر، وصفت من قبل كثيرين من الكتاب والمنشغلين بقضايا السلطة والسياسية بأنها قرارات( اصلاحيه) تبدأ بالمؤسسة العسكرية ولا تنتهي عند مجلس الوزراء، ولكنها تمضي الهيئات الحكومية والنائب العام وديوان المراجعة القومي، ولكن بدا أن قطار الإصلاح الشكلي لايعبر بالسودان من واقعه الحالي في ظل غياب المؤسسات الكبيرة عن أداء دورها، وممارسة سلطاتها مثل مجلس السيادة الذي فوض صلاحياته لرئيس المجلس، وذهب في اجازة طويلة والمجلس السيادة باعتباره السلطة العليا في البلاد اجتماعتها معلنة للرأي العام.
● وكان حريا بالمجلس السيادي انتداب احد الأعضاء للتحدث باسمه أو اختيار أو تعين من يعبر عن المجلس ليصبح متحدثاً باسمه، ولكن السؤال متى انعقد آخر اجتماع لمجلس السيادة وهل تفويض المجلس لرئيس المجلس ليقود البلاد تفويضا بأجل أم تفويضا مفتوحا وإذا كانت ظروف الحرب في السنة الأولى والثانيه جعلت من المتعثر عقد اجتماعات راتبة لمجلس السيادة، فإن الأوضاع الآن مختلفة جدا وعودة الحكومة للخرطوم تقتضي عودة كل أعضاء مجلس السيادة لامدرمان وبحري، وضرب رئيس
البلاد المثل والقدوة في البقاء قريبا من الشعب، ولكن اغلب بقية أعضاء مجلس السيادة آثروا الصمت المريب، والسكون من غير حركة، باستثناء الفريق مالك عقار أكثر رجال الدولة حيوية ونشاطاً داخلياً وخارجياً، ولكن هل لأعضاء مجلس السيادة اصلا مهام واختصاصات من غير سلطتهم السيادية ككيان وليس أفراد، وعملية الإصلاح لاتبدا من أسفل الي أعلى ولايظنن أحدٌ ان إصلاح الدولة في إصلاح المحليات الإدارية، ولا المحافظات ولا الولايات ولا حتى مجلس
الوزراء إذا لم يبدأ الإصلاح من مجلس السيادة بانتظام عقد جلساته، والفصل مابين ماهو سيادي وماهو تنفيذي، وعقد اجتماعات دورية لمجلس الأمن والدفاع، الذي يتعاظم دوره في أوان الحرب لا السلم، والبلاد الآن نصفها تقع تحت وطأة الحرب والمسيرات، وربما يقول البعض ان الدعوة للإصلاح ليس هذا أوانها ويعيد رفع شعار عبدالناصر القديم (لاصوت يعلو فوق صوت المعركة) وتحت هذا الشعار انتهكت حرمات وانتقصت حقوق، واهدرت قيَّمٌ، والحرب التي يتحدث عنها عبدالناصر هي حرب أكتوبر التي استمرت لمدة 19 يوما
فقط ، بينما حرب السودان دخلت الان عامها الثالث، وأصبح المواطنون لايبالون بأن سقطت مدينة أو استردت أخرى، وتلك حالة مميته جداً لا صحوة منها.
● الا الإصلاح الذي قال عنه الدكتور محمد المجذوب في اطروحته معالم المشروع الإصلاحي (لاتبدو قضية إصلاح مناحي الحياة السودانية من شاكلة القضايا الفرعية أو المرجأة أو الطارئة لكونها قضية تاخذ بسنام الحياة السودانية وشعابها المختلفة بدئاً من تحديد المجال الفكري مرورا بعناصر الظاهرة محل النظر رويتها وادواتها ومداخلها ومناهج قواعد تحليلها وتفسيرها) الراهن الذي نعيشه تخلق من إرث ثوري يفقتر للنضج السياسي عمد على تخريب
الحياة العامة بدعوى الانتقام من خصومه السياسين، ووجدت القوات المسلحة نفسها أمام طريقين كلاهما يقودان الي الحائط المسدود أما رهن القرار لمجموعة دوليه تقف من أمام وخلف اتفاق سياسي لا يقصي الخصوم السياسين فحسب انما يضع السكين في عنق القوات المسلحة لجذه، واما الانقلاب على ذلك والدخول في مغامرات جديدة ذلك ماحدث الآن حيث تسعى النخبة الحاكمة للعودة إلى حليفها المدني القديم ظنا ان ذلك الحليف قادرا على إيقاف الحرب وإصلاح ماافسدته سنوات مابعد رحيل البشير عن السلطة لا الدنيا.
2️⃣
ان إصلاح مؤسسة السيادة التي فقدت اثنين من أعضائها، الأولى العضو سلمي عبدالجبار التي تقدمت باستقالتها، بعد واقعة موظف الأراضي الشهيرة، والتي اطاحت بذات القدر امين حكومة ولاية الخرطوم، وفقدت مؤسسة مجلس السيادة العضو ياسر العطا الذي أسندت اليه مهام رئيس الأركان، خلفاً للفريق المتقاعد محمد عثمان الحسين، وبقدر التفاؤل الذي ساد الشارع العام بتولي ياسر العطا قيادة الجيش الفعلية واشرافه على العمليات التي تمثل الآن
الفريضة الأولى فإن مجلس السيادة قد خسر عضوا له صوت ومواقف معلنه مشرفه جدا حيث يستحيل ان يجمع ياسر العطا بين الاختين قيادة هئية الأركان وعضوية مجلس السيادة، لان ذلك يشكل تسيساً لمؤسسة قومية ظلت بمنأي عن السياسة، لحقب متعددة، وتجربة البرهان التي تدخل عامها السابع الآن حاكما للسودان تعصمه من الانزلاق الي تسيس قيادة أركان الجيش، وحتي في حقبة الإنقاذ التي شهدت تسيساً للجيش حافظت رئاسة الأركان على وضعها فوق الصراعات السياسية، وكان الرئيس السابق عمر البشير
ياتي في الغالب برئيس أركان الجيش وفق مايراه مناسبا، وكثيرا ماجاءت تقديرات البشير مصادمة لضباط عرفوا بالانتماء السياسي للحركة الاسلاميه، وفي بواكير عهد الإنقاذ جاء بالفريق إسحق إبراهيم عمر وهو ضابط مهني بلا لون سياسي واعقبه الفريق حسان عبدالرحمن وهو أقرب للصوفية من الحركة الاسلاميه، وحاج احمد الجيلي وهو مشهور كضابط ختمي وعين رئيسا الأركان الفريق عماد عدوى الذي كان يبغض الإسلاميين ولا يكترث حتى للفريق عبدالرحيم محمد حسين، وخرج عماد عدوى بسبب قوات
الدعم السريع التي رفض حتى مبدأ اجازة قانون لها في البرلمان، كما رفض الفريق مصطفى عبيد وكل هؤلاء لاصلة لهم بالسياسة ولكن الآن تبدوا التغيرات التي أعلنت فرضها الواقع في الميدان في انتظار التغيرات في مجلس الوزراء الذي غابت عنه الوزيرة الأكثر حضورا لمياء عبدالغفار الا انها فقدت منصبها على خلفية الصراع بين الفريق إبراهيم جابر والدكتور كامل إدريس الذي اعفي الوزيرة وترك المقعد شاغرا حتى اليوم، وهو موقع يمثل اهمية كبيرة جدا لانه بمثابة قلب الحكومة النابض المنسق الذي يقود الجهاز التنفيذي ورغم ان البعض بدا إطلاق اسم حكومة (الألم) بدلا عن حكومة (الأمل).
● ولكن الدكتور كامل إدريس مهما نعته البعض بالضعف، فإنه يمثل التغيير نحو الحكم المدني، والرجل يخوض في وحل شديد اللزوجة. العسكريون يسعون بكل قوة للحفاظ على وجودهم في السلطة، وكامل إدريس بطبيعته رجل مدني يميل للتوافق، ويناي عن الصراعات التي من شأنها اجهاض التجربة بأكملها، وهو لايملك القدرة على الصراع باعتباره معينا من قبل مجلس السيادة أو من قبل رئيس مجلس السيادة، ولم ياتي لموقعه الحالي بالانتخابات أو
حتى بالإجماع الثوري، مثلما كان سلفه عبدالله حمدوك، وكامل إدريس يستطيع تعديل نصف أعضاء مجلس الوزراء باستثناء وزراء الدفاع والداخلية والخارجية ووزراء الحركات المسلحة التي تمثل ثقلا كبيرا في المجلس، ولم يتبقى لدكتور كامل الا وزراء الاتصالات والصحة ومجلس الوزراء والبيئة والعمل والصناعة، وبالتالي اي قارئ منصف أو سياسي غير متحامل يبرئ ساحة كامل إدريس من ضعف مجلس الوزراء، ولكنه بالطبع مسؤلا عن غياب اجتماعات المجلس، ولن يتحقق الإصلاح المنشود الا بانتظام مجلس
الوزراء في عقد جلساته وانهاء حالة الترحال بين الخرطوم وبَورتسودان ومن فضائل الدكتور كامل إدريس انه يقطن في بيته الخاص ولا يهدر المال العام على نفسه ومن حوله بل كثيرا ما اعتبره البعض متقشفا حد التقتير مع انه عاش في سويسرا وتسنم مناصب جعلته يعيش في رغدٍ من الحياة الناعمة.
3️⃣
●ذلك حال الحكومة الاتحادية، ولكن الأوضاع في الولايات أكثر سوءاً ويصعب إصلاحها في غياب حتى القوانين التي تحكم الولايات، والدساتير التي كانت تجعل من كل ولاية مقاطعة شبه مستقلة عن المركز وجاءت وزيرة في عهد حمدوك لاتفقه في الحكم الاتحادي الا مايفقه الرجل في خضاب المرأة وتم الغاء قانون الحكم الاتحادي بسوء تقدير سياسي واتجهت الحكومة بعد الحرب لتعيين ضباط
إداريين، وضباط معاشات، من القوات المسلحة بعثت بهم من مراقدهم القديمة، واسندت لهم إدارة ولايات البلاد وابعدت الكفاءات أما بسبب شكوك حول انتمائها الإسلامي أو القحطاوي أو مولاة المليشيا أو الحركات المسلحة، وفشل الضباط الإداريون باستثناء تجربتي احمد عثمان حمزه في الخرطوم ووالي الجزيرة الطاهر، وتبدي الفشل في النيل الأبيض والشمالية ونهر النيل.
● ومن أسوأ تجارب الحكم الولائي تعيين ولاة ووزراء ومعتمدين في ولايات هي في قبضة التمرد مثل شمال وغرب ووسط وجنوب وشرق دارفور ودون حياء يطل هؤلاء في أجهزة الإعلام يتحدثون عن رأي شى الا متى تحرر الولايات وجميع هؤلاء الموظفين عاجزين عن حشد إرادة مواطني تلك الولايات للقتال وتحرير أرضهم، وتنفق عليهم الحكومة مليارات الجنيهات والمركبات وايجار فنادق
وشقق وهم عطالة بلا مهام حتى والي وسط دارفور الذي يظهر في الاعلام بالذي العسكري لم يقدم للقوات المشتركة الف مقاتل لتحرير زالنجي، وبازاء هذا الواقع كيف للدولة ان تنهض وهل التنقلات والتعينات التي تصدر من وقت لآخر يمكن إطلاق صفة الإصلاح عليها ام الإصلاح شى آخر كما فصلنا في صدر المقال.
✒️ يوسف عبدالمنان.
18أبريل 2026م





