
كتبت قبل أيام مقالًا بعنوان «تحديث بيانات الحسابات… ضرورة مصرفية تحتاج إلى فقه الواقع»، خلصت فيه إلى أن أصل تحديث بيانات العملاء محمود وضروري، وأن المطلوب ليس التهاون في التحقق من البيانات ومصادر الأموال، وإنما أن يتم ذلك بصورة معقولة ومتناسبة مع طبيعة العميل ونشاطه وحجم معاملاته، وألا يصبح غياب المستند التقليدي وحده دليلًا على غياب المصدر المشروع.
وأعود إلى الموضوع مرة أخرى، رغم ما قد يبدو في ذلك من تكرار، لأهميته البالغة وتأثيره المباشر في ملايين المواطنين، وثقة الناس في الجهاز المصرفي، ومستقبل الرقمنة في السودان. فالمقال السابق ناقش أصل القرار وبعض محاذير تطبيقه، أما هذا المقال فيستكمل الصورة من الناحية العملية: كيف نحدّث بيانات ملايين العملاء وفق الممارسات المصرفية الحديثة، بأكبر قدر من الدقة والأمان، وأقل قدر من الكلفة والمشقة، وبما يجذب الناس إلى المصارف بدل أن ينفّرهم منها؟
فالمسألة في جوهرها لم تعد: هل نحدّث البيانات أم لا؟ وإنما: كيف نحدّثها بأوثق وسيلة وأيسرها وأكثرها كفاءة؟
والاتجاه العلمي والتقني والمصرفي الحديث يجعل التحديث الإلكتروني، متى توافرت وسائل تحقق موثوقة، الخيار الأجدى لأوسع نطاق ممكن من العملاء، والحضور الشخصي استثناءً تقتضيه حالات محددة. وهذا هو الأوفق حتى في الدول التي تتقارب فيها المسافات وتكثر فيها الفروع؛ فلا معنى لاستدعاء الملايين إلى مقار البنوك لإنجاز إجراء يمكن إنجازه إلكترونيًا بأمان، مع ما في ذلك من استهلاك لوقت العميل والبنك ورفع للكلفة وإحداث للازدحام.
والسودان يملك أساسًا عمليًا مهمًا للبناء عليه؛ فقد خاض المواطنون بالفعل تجربة واسعة في التعامل المالي عبر التطبيقات المصرفية، ونجحوا فيها نجاحًا لافتًا، حتى أصبح التحويل الإلكتروني جزءًا من الحياة اليومية لمختلف فئات المجتمع. وهذه ثروة معرفية وسلوكية وطنية ينبغي البناء عليها، والاستفادة من هذه الخبرة لتوسيع استخدام الناس للخدمات الرقمية، والانتقال بهم من مجرد تحويل الأموال إلكترونيًا إلى إدارة جانب أوسع من علاقتهم بالمصارف بالطريقة نفسها.
ومن ثم ينبغي أن يتمكن العميل، داخل السودان أو خارجه، من الدخول إلى التطبيق الرسمي لبنكه، ومراجعة بياناته الموجودة أصلًا، وتصحيح ما تغير منها، وتأكيد ما بقي صحيحًا، واستكمال ما ينقص، ثم التحقق من هويته وبياناته بوسائل إلكترونية موثوقة. فالغاية ليست رفع المشقة فحسب، وإنما أيضًا تعميق الثقة في الخدمات الرقمية، وجعل التعامل مع المصرف أقرب وأيسر.
ويجب أن يصاحب ذلك ربط آمن ومنظم بين المصارف وقواعد الهوية الوطنية والمنصات الحكومية الرقمية الموثوقة، وفق صلاحيات قانونية محددة، وضوابط صارمة لحماية الخصوصية، وسجلات تدقيق واضحة، بحيث يتمكن البنك من التحقق إلكترونيًا من البيانات الرسمية الموجودة أصلًا لدى الدولة، بدل مطالبة العميل بإعادة تقديمها. وينبغي أن يقتصر هذا الربط على البيانات اللازمة للتحقق فقط، لا أن يعني إتاحة مفتوحة لقواعد بيانات المواطنين. فجوهر التحول الرقمي أن تُنجز المعاملة من مصدر البيانات الموثوق، وأن يُعفى المواطن من تكرار ما تستطيع الأنظمة نفسها التحقق منه.
والتحديث الإلكتروني هنا لا يعني تخفيف الرقابة، بل يمكن أن يجعلها أدق؛ لأن التحقق المباشر من مصدر رسمي موثوق، وتسجيل خطوات العملية إلكترونيًا، وتحليل حركة الحساب، قد يوفّر للمصرف وسائل أفضل للمراجعة من الاعتماد وحده على أوراق يقدمها العميل.
وتبرز هنا قضية مهمة تتعلق بالأعداد الكبيرة من أصحاب المهن الحرة والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي. فالموظف يستطيع تقديم شهادة راتب، والتاجر المسجل لديه مستنداته، أما الحمال والسباك والحداد وبائع الخضار والعامل الحر والعامل في التعدين الأهلي وخدماته وغيرهم، فهذه مهن وأنشطة معلومة ومشروعة في أصلها، لكن طبيعتها لا توفر عادةً عقود عمل أو شهادات راتب أو فواتير وسجلات منتظمة. ومن غير الواقعي أن نجعل امتلاك مستند من هذا النوع شرطًا عامًا لاستمرار أصحابها في التعامل المصرفي.
والحل العلمي ليس إعفاء هذه الفئات من التحقق، ولا استدعاءها جميعًا إلى الفروع، وإنما دراسة أنماط معاملاتها الفعلية. فالمصارف تملك بيانات متراكمة عن حركة الحسابات، ويمكن، بالدراسة والتحليل، بناء أنماط إرشادية مرنة تراعي طبيعة النشاط والمنطقة والموسم والسجل السابق للعميل، بدل وضع معيار مالي جامد لمهنة بعينها.
فإذا كانت حركة حساب صاحب المهنة الحرة متسقة بصورة معقولة مع طبيعة نشاطه وسجله السابق والنمط الغالب في الأنشطة المشابهة، يُستكمل تحديثه إلكترونيًا دون مطالبته بمستند لا توفره مهنته عادةً. أما الحسابات التي تخرج بوضوح عن النمط المعتاد للأنشطة المشابهة، أو تظهر فيها مبالغ أو تحركات لا تتناسب بوضوح مع النشاط المعلن، أو توجد بشأنها قرائن أخرى تستوجب التحقق، فهذه هي التي تنتقل إلى مستوى أعلى من المراجعة.
وهكذا نعالج الغالب إلكترونيًا، ونفحص الاستثناء بدل أن نحول الاستثناء إلى قاعدة على الجميع؛ فلا يُستدعى إلا العدد المحدود الذي تستدعي حالته تحققًا إضافيًا، وبصورة خاصة وهادئة ومنظمة، مع بيان المطلوب منه دون تشهير أو إيحاء بأن مجرد ارتفاع حركة الحساب قرينة اتهام.
وقبل بدء التنفيذ، لا بد من توعية شافية وواضحة. فلا يكفي أن تصل إلى العميل رسالة مقتضبة من نوع «راجع أقرب فرع» ثم يُترك لتفسيرها، بل ينبغي أن يعرف مسبقًا: لماذا يتم التحديث؟ ومن يشمله؟ وما البيانات المطلوبة؟ وكيف يتم إلكترونيًا؟ وما المهلة المتاحة؟
فالوضوح جزء أصيل من نجاح العملية؛ لأن الغموض يفتح باب الشائعة والخوف والازدحام، بينما التفسير المبكر والواضح يجعل المواطن شريكًا في الإجراء بدل أن يشعر بأنه مهدد به.
ولا بد أن تصاحب ذلك حملة أمنية وتوعوية موازية ضد الاحتيال الإلكتروني؛ فحملة واسعة لتحديث البيانات قد يستغلها المحتالون في إرسال روابط ورسائل مزيفة تنتحل أسماء المصارف. ولذلك ينبغي أن تعلن البنوك قنواتها الرسمية بوضوح، وأن يتكرر التنبيه إلى عدم إدخال البيانات عبر روابط مجهولة، وعدم إعطاء كلمات المرور أو رموز التحقق لأي شخص.
كما ينبغي منح العملاء فترة كافية ومريحة للتحديث، تسبقها التوعية وتتدرج خلالها التنبيهات، حتى يتمكن الناس من استكمال بياناتهم دون ضغط أو ارتباك. ويتيح امتداد المهلة بصورة منظمة تخفيف الضغط على الأنظمة الرقمية ومراكز الاتصال والدعم الفني، وتقليل الأخطاء، وإتاحة الوقت لمعالجة الحالات التي تحتاج إلى مساعدة أو تحقق إضافي.
وينبغي في الوقت نفسه إبقاء مسار مساعدة بشري ميسر للقلة التي يتعذر عليها التحديث الرقمي حقيقة؛ ككبار السن، وذوي بعض الإعاقات، ومن يواجه مشكلة تقنية أو في إثبات الهوية، على أن يكون هذا مسارًا للمساعدة التقنية، لا مسارًا عامًا للمراجعة الرقابية، ومن غير أن يتحول إلى الطريق المعتاد لبقية العملاء.
ويمكن لبنك السودان، بالتعاون مع المصارف والجهات المحلية، أن يضع آلية عملية واسعة لتعليم الناس كيفية تحديث بياناتهم إلكترونيًا؛ سواء عبر تدريب مرشدين في المدن والقرى، أو الاستفادة من الجامعات والمدارس والأندية ومراكز المجتمع، أو المقاطع التوضيحية والرسائل الإرشادية وخطوط المساعدة، أو بأي وسيلة أخرى تحقق الغرض بكفاءة. فالمهم ليس شكل الآلية بقدر ما هو ضمان أن يفهم المواطن الخطوات بوضوح ويستطيع تنفيذها بنفسه.
وعلى أن يقتصر دور أي مرشد أو مساعد على الشرح والتوجيه فقط، دون الاطلاع على كلمات المرور أو رموز التحقق أو تنفيذ العملية نيابة عن العميل؛ حتى لا تتحول المساعدة نفسها إلى باب للاحتيال أو إساءة استخدام البيانات.
وإذا استدعت حالة بعينها حضور صاحبها شخصيًا، فينبغي إخباره مباشرة وبهدوء بسبب المراجعة وما يحتاج إليه، مع إمكان حجز موعد وتحديد الفرع والوقت، حتى تنجز المعاملة ـ ما أمكن ـ في زيارة واحدة. فلا معنى لأن يترك صاحب متجر متجره، والعامل عمله، والمزارع مزرعته، ثم يقضي ساعات في طابور بسبب إجراء كان يمكن إنجاز معظمه قبل وصوله.
وبهذه الصورة يمكن أن تتحول عملية تحديث البيانات من مصدر محتمل للقلق والازدحام إلى خطوة كبرى في التحول المصرفي الرقمي السوداني: بنك السودان يضع المعايير الموحدة، والجهات المختصة بالهوية توفر آليات التحقق الآمن، والمصارف تطور تطبيقاتها وأنظمتها، والعميل يراجع بياناته ويؤكدها إلكترونيًا، ولا ينتقل إلى الموظف إلا عندما تستدعي حالته ذلك.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم العملية كلها هي: التحديث الإلكتروني هو الأصل، والحضور هو الاستثناء؛ لا طوابير حيث تكفي التقنية، ولا أوراق حيث يمكن التحقق من البيانات من مصدرها الموثوق، ولا استدعاء للجميع بسبب حالات محدودة تحتاج إلى مراجعة، ولا تساهل في المقابل مع الحسابات التي تظهر فيها مؤشرات حقيقية تستوجب التدقيق، ولا رقمنة على حساب أمن المعلومات وخصوصية أصحابها.
فنجاح تحديث البيانات لا يقاس بكثرة الإجراءات ولا بعدد المراجعين، وإنما بمدى الحصول على بيانات صحيحة وموثوقة، بأقل كلفة ووقت ومشقة، وأعلى درجة من الأمان والثقة والقبول.
وهذا هو الاستكمال العملي لما قصدناه في المقال السابق: أن يكون تحديث البيانات صحيحًا في غايته، علميًا في وسيلته، آمنًا في تقنيته، واقعيًا في تطبيقه، وأن نستثمر نجاح السودانيين في التعامل الرقمي لنتقدم خطوة إلى الأمام، لا أن نعيدهم من التطبيقات إلى الطوابير.





