السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (5 من 10): الإصلاح يبدأ اليوم… لكن ثماره لن تأتي غدًا
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

قلنا في المقال السابق إن السودان يحتاج إلى حزمة إصلاح متكاملة تبدأ بالتوازي: تحرير اقتصادي، وحوكمة عامة، ورقمنة متكاملة، ونفاذ للقانون. لكن البدء الفوري لا يعني نتائج فورية.
فالفورية مطلوبة في الإصلاح، لا في ثماره.
يمكن للدولة أن تبدأ اليوم في إزالة القيود غير الضرورية، وتحرير الأسواق، وإصلاح الإجراءات وتقوية الحوكمة والقانون والرقمنة؛ لكنها لا تستطيع أن تأمر الثقة فتعود غدًا، أو الاستثمار فيتدفق بعد أسبوع، أو الإنتاج فيتضاعف فورًا.
فالاقتصاد الذي تراكم اختلاله عبر سنوات يحتاج إلى زمن ليستجيب، وقد تستمر بعض أزماته في البداية أو تشتد مؤقتًا قبل أن تبدأ في الانحسار.
فتح سوق النقد الأجنبي، مثلًا، لا يعني أن الدولار سينخفض في اليوم التالي. فقد يظهر أولًا السعر الذي يعكس حقيقة العرض والطلب بعد إزالة القيود والتشوهات، وقد يكون مرتفعًا. لكن كلما أصبحت القنوات الرسمية أيسر وأجدى، انتقل إليها مزيد من التعامل وتراجعت دوافع السوق الموازية.
وكذلك فتح التجارة والاستثمار لا يأتي بالمصانع والمشروعات في اليوم التالي. فالمستثمر يريد أن يرى أن القواعد مستقرة، والعقد محترم، والأموال والأرباح قابلة للتحويل، والضرائب والرسوم والإجراءات واضحة، وأن قرار اليوم لن يُنقض غدًا.
فالثقة لا تُصدر بمرسوم؛ بل يبنيها ثبات السلوك والسياسات.
والإنتاج نفسه يحتاج إلى زمن. فالمزارع يحتاج إلى مدخلات وموسم وحصاد، والمصنع إلى رأس مال وآلات وطاقة وأسواق، والمصدر إلى إنتاج ونقل وتمويل. ولذلك توجد بالضرورة مسافة بين إصلاح البيئة وظهور أثره الكامل في الإنتاج والصادرات والنقد الأجنبي وفرص العمل.
وهنا يأتي أحد أخطر اختبارات الإصلاح: ألا نحكم عليه قبل أن يأخذ فرصته.
فإذا تراجعنا عنه بعد أشهر لأن الأسعار لم تنخفض أو الدولار لم يتراجع أو الاستثمارات لم تتدفق، عدنا إلى الحلقة القديمة: نحرر ثم نقيد، ونفتح ثم نغلق، ونعلن سياسة ثم ننقضها؛ فتتآكل الثقة ويصبح توقع التراجع نفسه عائقًا أمام نجاح أي إصلاح جديد.
ولهذا فإن استقرار الإصلاح جزء من الإصلاح.
لكن إعطاء الإصلاح وقته لا يعني مطالبة الناس بتحمل المعاناة بلا حدود، ولا اتخاذ عبارة «الإصلاح يحتاج إلى وقت» ذريعة لتبرير الأخطاء. فهناك فرق بين تكلفة انتقال لا يمكن تجنبها بالكامل، وبين ضرر تصنعه سياسة خاطئة يجب تصحيحها.
ولهذا ينبغي ألا نقيس النجاح فقط بانخفاض الأسعار أو الدولار، بل أيضًا بالمؤشرات التي تسبق النتائج الكبرى: هل قلت القيود والاستثناءات؟ هل أصبحت المعاملات أسرع والقواعد أوضح؟ هل تحسن إنفاذ العقود؟ هل انتقل مزيد من النشاط إلى القنوات الرسمية؟ هل انخفضت تكلفة ممارسة الأعمال ومخاطرها؟ وهل بدأ رأس المال في الدخول؟
فإذا تحركت هذه المؤشرات في الاتجاه الصحيح، فقد بدأ الإصلاح يعمل وإن لم تكتمل ثماره.
وهنا تظهر مرة أخرى ضرورة تزامن الحزمة. فإذا حررنا سعر الصرف وأبقينا العجز والتمويل التضخمي والقيود والجبايات وتعقيد الاستثمار، فقد ننسب إلى التحرير نتائج صنعتها اختلالات أخرى. وإذا فتحنا الاستثمار وأبقينا القضاء والإجراءات والتحويلات معطلة، فلن يأتي المستثمر ثم نقول إن فتح الاستثمار فشل.
الإصلاح الحقيقي أن تتحرك الجبهات الأساسية معًا، ثم يُعطى الاقتصاد الوقت اللازم ليستجيب.
وقد تكون البداية هي الأصعب؛ إذ تظل الأسعار مرتفعة والدخول ضعيفة والنقد الأجنبي شحيحًا، بينما يحتاج الإنتاج والاستثمار إلى وقت حتى يتوسعا. لكن البديل ليس طريقًا أقصر إلى الرخاء، بل استمرار التدهور وارتفاع كلفة الإصلاح كلما تأخرنا.
فالزمن سيمضي سواء أصلحنا أم لم نصلح؛ والفرق أن يمضي ونحن نبني أسباب التعافي، أو ونحن نضيف إلى الأزمة أسبابًا جديدة.
ولهذا يجب أن يكون الخطاب مع الناس صادقًا: لا نعدهم بانهيار الأسعار فورًا، ولا بقوة الجنيه بين ليلة وضحاها، ولا بتعويض سنوات الدمار خلال أشهر. بل نبدأ بإصلاح الأسباب، ونقيس النتائج، ونصحح الأخطاء، ونثبت على الاتجاه الصحيح.
فالإصلاح ليس زرًا نضغط عليه فتتغير البلاد، بل مسار يبدأ الآن، ثم تتراكم آثاره تدريجيًا في الثقة والاستثمار والإنتاج والصادرات والعمل والدخل.
ويبقى السؤال: إذا كانت الثمار تحتاج إلى زمن، فكيف نعبر مرحلة العسر بين بدء الإصلاح وظهور نتائجه، من غير أن نستهلك القليل المتاح أو نقتل النشاط الذي يفترض أن يقود التعافي؟
وهذا هو موضوع المقال القادم، إن شاء الله:
كيف نعيش مرحلة العسر من غير أن نقتل ما بقي؟





