الدولة التي لا تنتظر الملائكة… النزاهة مهمة لكنها ليست نظامًا (1 من 4)
بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

حين يكثر الفساد وسوء الإدارة، يرتفع المطلب المعتاد: نريد مسؤولين نزيهين. وهو مطلب صحيح، لكنه لا يكفي لبناء دولة؛ لأن النزاهة صفة في الإنسان، أما الدولة فلا بد أن تقوم على مؤسسات تستمر وتستقيم مهما تغير الأشخاص.
فالمسؤول النزيه مكسب كبير، لكنه قد يغادر موقعه لأي سبب، ويأتي بعده غيره. فإذا كانت سلامة المؤسسة مرهونة بأخلاق من يتولى إدارتها، فنحن أمام إدارة تعتمد على الأشخاص لا على المؤسسات. ولهذا لا تقوم النظم الرشيدة على افتراض أن كل مسؤول أمين، ولا على افتراض أنه فاسد، وإنما تُصمم بحيث تحد من فرص إساءة استعمال السلطة، وتكشف الانحراف وتحاسب عليه.
وهنا تظهر أهمية وضوح الاختصاصات، وتوزيع الصلاحيات، وشفافية الإجراءات، والمراجعة المستقلة، بما يجعل المسؤولية محددة والمساءلة ممكنة، ويحول دون أن تصبح مصالح الناس والمال العام رهينة لإرادة فرد أو مجموعة.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الأخلاق؛ فالقانون لا يصنع الضمير، وأفضل النظم تظل بحاجة إلى الأمناء الأكفاء. لكن الحكمة أن نجمع بين صلاح الإنسان وصلابة النظام؛ فإن كان المسؤول نزيهًا أعانه النظام على أداء الأمانة، وإن لم يكن كذلك ضيّق عليه منافذ العبث وكشف مخالفاته وأخضعه للمحاسبة.
ومن هنا يبدأ إصلاح الدولة: لا بالاكتفاء بالبحث كل مرة عن مسؤول استثنائي ينقذ المؤسسة، بل ببناء مؤسسة تستطيع أداء واجباتها بكفاءة وانتظام، دون أن تتوقف سلامتها على وجود شخص بعينه.
فالدولة الراسخة لا تنتظر الملائكة، وإنما تبني نظامًا يجعل الاستقامة أيسر، والانحراف أصعب، والمحاسبة حاضرة، والمؤسسات أبقى من القائمين عليها.
وفي المقال القادم إن شاء الله: «فصل الصلاحيات فلا تجتمع السلطة في يد واحدة»، نتناول كيف يُوزع القرار والتنفيذ والرقابة بما يمنع الانفراد بالسلطة ويحفظ المسؤولية دون تعقيد الإجراءات.





