كنز البحر الأحمر السوداني (13 من 13): من أول منتجع إلى صناعة بمليارات الدولارات
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

بدأنا هذه السلسلة بالمالديف، حيث تحولت جزر لا تتجاوز مساحتها البرية مجتمعة نحو 300 كيلومتر مربع إلى واحدة من أشهر الوجهات البحرية في العالم، واستقبلت في 2025 نحو 2.25 مليون سائح، وبلغت متحصلات السفر فيها نحو 5.57 مليارات دولار.
ولم نذكر المالديف لنقول إن السودان سيكرر تجربتها، بل لنثبت حقيقة أبسط:
المورد الطبيعي وحده لا يصنع صناعة؛ الإدارة هي التي تحول المورد إلى قيمة.
فالسودان يملك في البحر الأحمر شعابًا وحياة بحرية وجزرًا وساحلًا، ويملك وراءه الجبال والصحراء والنيل والآثار والثقافات. لكن كل ذلك يمكن أن يبقى جميلًا وفقيرًا اقتصاديًا ما لم يتحول إلى منتج يستطيع السائح الوصول إليه وشراءه بأمان وسهولة.
الطبيعة تعطينا المادة الخام، أما القيمة الاقتصادية فنحن الذين نصنعها.
ولهذا لم تكن هذه السلسلة دعوة إلى بناء فنادق فحسب، بل إلى بناء صناعة سياحية: نحمي المواقع الحساسة، ونحدد مواقع الاستثمار، ونصمم منتجًا عالميًا راقيًا بهوية سودانية وقيم واضحة، ونعرف السائح الذي نستهدفه، ونوفر الطاقة والمياه والصرف، ونستثمر المواقع دون التفريط في ملكيتها، ونهيئ الطيران والتأشيرات والنقل والمدفوعات والأمن والتدريب، ونربط البحر ببقية السودان والاقتصاد المحلي، ونراقب أثر النشاط في البيئة.
وهذا هو الفرق بين منتجع جميل وصناعة سياحية.
ولا تبدأ الصناعة بعشرات المنتجعات، بل بنموذج أو نماذج محدودة في المواقع التي تثبت الدراسات صلاحيتها، ثم نقيس التكلفة والإشغال والإنفاق ومدة الإقامة واستجابة الأسواق والقيمة التي بقيت داخل السودان والأثر البيئي، ثم نتوسع وفق النتائج.
نتوسع بالبرهان، لا بالحماس.
فإذا نجح النموذج الأول، تتوالى المشروعات وتتنوع: منتجعات الجزر والساحل، والغوص والطبيعة والاستجمام والرحلات البحرية، ثم الجبال والصحراء والثقافة والآثار.
وعندها لا يكون السؤال: كم غرفة فندقية لدينا؟ بل:
كم سائحًا مناسبًا نستطيع استقباله، وكم ينفق، وكم يبقى من إنفاقه داخل السودان، وكم يحتمل البحر؟
ومن هنا نفهم معنى الحديث عن صناعة بمليارات الدولارات.
فالمليارات لا تأتي من عدد الفنادق وحده، وإنما من عدد الزوار ومتوسط إنفاقهم، ثم من النشاط الاقتصادي الذي يولده هذا الإنفاق. وللتوضيح الحسابي لا للتنبؤ: مليون سائح بمتوسط إنفاق 500 دولار يعني 500 مليون دولار، وبمتوسط 2,500 دولار يعني 2.5 مليار دولار.
ولهذا لا ينبغي أن يكون هدف السودان مطاردة أكبر عدد من السياح، بل جذب أعداد مدروسة، بإنفاق أعلى وإقامة أطول وقيمة محلية أكبر وضغط بيئي أقل.
ولا يعني إنفاق السياح مليارات الدولارات أن المليارات تدخل خزينة الدولة؛ فهي تتوزع بين الإقامة والطيران والنقل والطعام والأجور والموردين والضرائب والرسوم والأرباح والواردات. والمهم هو تعظيم ما يبقى ويدور داخل الاقتصاد السوداني وما تحصل عليه الدولة وفق نظامها المالي.
والمالديف دليل على حجم ما تستطيع السياحة البحرية أن تصنعه؛ فقد بدأت صناعتها الحديثة عام 1972، ثم توسعت وتراكمت خبراتها واستثماراتها حتى بلغت متحصلات السفر فيها نحو 5.57 مليارات دولار في 2025. والدرس للسودان ليس أن ينتظر نصف قرن، بل أن يبدأ من حيث انتهت تجارب الآخرين، مستفيدًا من التقنيات والخبرات المتاحة اليوم.
فالمليارات ليست نقطة البداية، لكنها يمكن أن تكون ثمرة الطريق إذا بدأناه على الوجه الصحيح.
وكذلك لا نحتاج إلى تقليد حجم الإنفاق على الساحل السعودي؛ فدرس التجربة السعودية ليس حجم المال، بل تكامل المنظومة واستخدام التقنيات الحديثة في الطاقة والمياه والنقل والخدمات.
بل إن تأخر السودان يتيح له، إذا أحسن الاختيار، تجاوز بعض المراحل القديمة والبدء مباشرة بالطاقة المتجددة والتخزين والتحلية الحديثة والرقمنة والإدارة الذكية للمياه والطاقة والبيئة.
لكن كل هذه الجهود، على أهميتها، لن تكفي إذا بقيت البيئة العامة للدولة مختلة. فلا السياحة ولا الزراعة ولا الصناعة ولا التعدين تستطيع بلوغ إمكاناتها في بيئة تعطل الاستثمار والإنتاج والتبادل.
ولهذا ينبغي أن يسبق هذه الرؤية أو يتوازى معها إصلاح البيئة العامة ضمن حزمة متكاملة ومتزامنة: تحرير اقتصادي شامل، وحوكمة عامة، ورقمنة متكاملة، ونفاذ للقانون، في ظل الأمن والاستقرار.
فلا صناعة سياحية عالمية واسعة مع حرب واضطراب، ولا استثمار طويل الأجل بلا قانون نافذ وعقود مصونة، ولا سياحة حديثة مع تعقيد الدفع والتحويل والإجراءات والاتصالات والوصول.
فإصلاح السياحة وحدها لا يصنع صناعة سياحية ناجحة إذا ظلت البيئة التي تعمل فيها معطلة؛ وإصلاح البيئة العامة هو الأرض التي تقوم عليها السياحة وسائر قطاعات الاقتصاد.
ومن هنا فإن أول شرط لصناعة سياحية عالمية ليس الفندق، بل دولة تهيئ بيئة يستطيع فيها المستثمر أن يستثمر، والسائح أن يأتي، والعامل أن يعمل، والعقد أن ينفذ، والمال أن يتحرك، والبيئة أن تحمى.
ودور الدولة ليس بناء الفنادق وإدارتها، بل حماية المورد، وتخطيط المواقع، ووضع القواعد، وتوفير الأمن والبنية العامة، وطرح الفرص بشفافية ومراقبة المعايير. ويأتي المستثمر بالمال والخبرة والتقنية والإدارة، بينما يدخل المواطن في الصناعة عاملًا وموردًا ومزارعًا وصيادًا وحرفيًا ومرشدًا وصاحب مشروع ومستثمرًا.
ويبقى شرط لا يجوز أن يسقط في زحام الأرقام:
أن ننمو بقدر ما نستطيع أن نحسن الإدارة، لا بقدر ما نستطيع أن نصب الخرسانة.
فإذا كان الموقع لا يحتمل إلا عددًا معينًا من الزوار، فلا نتجاوزه طلبًا لإيراد آني، وإذا كان البناء في موقع حساس سيدمر قيمته، نبني في مكان آخر ونجعله سببًا للزيارة لا مكانًا للإقامة.
فالغاية ليست أن نستهلك المورد لنربح منه، بل أن نربح منه مع إبقاء أصله.
ومن هنا يمكن أن يبدأ الطريق عمليًا: خريطة للاستثمار والحماية، ودراسات للمواقع، ثم مشروع أو مشروعان نموذجيان يطرحان للاستثمار بشفافية، في ظل إصلاح متزامن للبيئة العامة وفق الحزمة المتكاملة، مع تطوير الوصول والتدريب والتسويق، ثم القياس والتوسع وفق النتائج.
ولا نحتاج إلى أن نقول للعالم إننا سنصبح المالديف الجديدة.
بل نحتاج إلى أن نصنع البحر الأحمر السوداني:
وجهة لها طبيعتها وهويتها وقيمها؛ يأتي السائح إلى بحرها وجزرها، ويمكن أن تمتد رحلته إلى الجبال والصحراء والنيل والحضارات القديمة، ويتوزع إنفاقه عبر سلسلة من العمل والإنتاج داخل السودان، بينما يبقى البحر الذي جاء من أجله محميًا.
وعندها تصبح «صناعة بمليارات الدولارات» هدفًا اقتصاديًا يمكن البناء نحوه، لا مجرد شعار.
فالكنز موجود، لكن الفرق بين كنز مدفون وصناعة تدر المليارات هو:
دولة تعرف كيف تحميه، ومستثمر يعرف كيف يشغله، ومواطن يجد نصيبه من ثماره.
والبحر الأحمر لا يحتاج منا أن نصنع له الجمال؛
يحتاج منا أن نحسن إدارة الجمال الذي صنعه الله.
وهذا هو الكنز الحقيقي.





